21 نوفمبر 2007

لــــب الخيــــال

"طريقُ الرجل الطيَّب محاصر من جميع الجهات بظلمِ واستبدادِ الرجل الشرير ، باسم المحبة والخير والإرادة الحسنة .. سأرعى الضعيف في وادي الظلمات"

اكتشفتُ بدهشة – وكأنني أعرف للمرة الأولى – أن كل قصة يمكن أن تروى بأشكالٍ مختلفة .. تقلبها رأساً على عقب !

يعرف هؤلاء الذين يقع مكان سكنهم .. عملهم .. أو سكن أحد أقربائهم بين إمبابة والجيزة هذا الميني باس الشهير الذي يصل بين المنطقتين ، أسكنُ أنا في المنتصف تقريباً .. عند تلك المنطقة التي يرمز لها بميدان لبنان ..

بالأمسِ كنتُ ذاهباً إلى صديقٍ لي في الجيزة .. وكاختيار بديهي ركبتُ أحد هذه الميني باصات ..

في فترة الظهيرة .. من الجيد أن تجد مكان تطأ فيه قدمك عوضاً عن طموحك المشروع بالجلوس ، ركبتُ أحدهم .. وقفتُ في بداية العربة ممسكاً كالعادة بالميدالية .. الموبايل .. كيس المناديل ، عند أرض اللواء ينزل العديدين ويركب آخرين .. يتبدلون ومع ذلك تبقى نفس الملامح والوجوه ، في ثواني أصبح هناك العديد من الكراسي الفارغة في مؤخرة العربة .. في ثواني ستمتلئ ، لذلك فقد اتخذتُ خطواتاً متعجلة للجلوس في كرسي مفضل في آخرها بعيداً عن مناوشات المقدمة المعتادة على فراغات تكفي لوضع قدمين – و ربما واحدة - ..

لا أعرف تحديداً ماذا حدث .. فقط أثناء مروري كان هناك سيدة عجوز تجلس على كرسي الخارجي .. بيدها كيس كبير به "رقاق" نصفه بالطرقة والنصف الآخر تضعه على قدميها .. بدا أن هناك مسافة كافية لمروري دون الاحتكاك بكيس الرقاق هذا .. إلا أنها صرخت بضجر :
- حاسب حاسب هتكسره هتكسره
- ما هو ...
- طب عدَّي بقى .. عدَّي

نطقت الجملة الأخيرة بتأفف واضح .. ربما مهين كذلك ، شعرتُ بتلك الصفة الأخيرة - بعد مروري وجلوسي بهدوء ودون رد - من خلال تلك الحسناء التي تجلس أمامي والتي رمقتني بطرفِ عينيها بإشارة بدت تنمُ عن شيء من قبيل : انتَ مش هترد عليها بروح أمها ؟؟!

ابتلعتُ الغضب بداخلي وحولت نظراتي بين الخارج حيناً وبين السيدة العجوز حيناً آخر .. لم أدقق النظر كثيراً في ملامحها فجميعهم يملكون نفس الملامح المُرهَقَة التي حفر الزمن لنفسه مملكتاً فيها .. نفس الأشكال بالفعل .. حتى بحبات العرق الدقيق التي تبرز على الوجه أيًّ كان الجو – صيفاً كان أو شتاء - .. والطرحة السوداء الرخيصة الموضوعة بغير عناية ولا اكتراث بما تخفيه – وما تظهره – من شعر .. والجلباب – الأسود دائماً - المُبَقَّع المثقوب من أسفل ويظهر تحته جلباباً أحمر اللون لا يقل رخصاً ولكنه يتكاتف مع أخيه لحمابتها من برد الشتاء .. تمسك كيس الرقاق هذا باصرار طفل يرضع في ثدي والدته بعد جوع ..

لم يكن الاهتمام بتلك التفاصيل منبعه النية المسبقة لما أكتبه الآن .. إطلاقاً ، فهذا لم يدر بذهني فالأمر حتى الآن عادي جداً .. نمر به جميعاً ولا يثير الاهتمام ..
لكن منبع الاهتمام بدأ من محاولة الوصول لأن ما فعلته كان الصواب .. وأنه – وإن كان كوَّن بعض الغضب – التصرف المناسب والسليم في حالة مثل تلك ، أنها ببساطة من هؤلاء الذين نسميهم ( شلق ) ونتحدث عنها على القهاوي بابتسامة عريضة باعتبارهم ( عالم ولاد كلب ) ، ما الذي يدخلني معها في صراع فارغ ؟؟ .. بل أن تصرفي يملك بعداً يجعل مني المؤدب الهادئ الذي اختار عدم الرد على امرأة في سن جدته برغم قلة زوقها ..

برغم الغضب .. فإنَّ مشاهدة الأمر بتلك الصورة كان مرضياً إلى حدًّ بعيد ..

إلاَّ أن شيء ما تحرك داخلي يليق بمن قرأ روايتي فيكتور هوجو "البؤساء وأحدب نوتردام" في سن الثالثة عشر وأعادهما منذ عدة أسابيع خارجاً بقناعة أن كل منا لديه منطلق واضح فيما يفعله .. لديه خير حقيقي بداخله حتى لو توارى وراء قناعات ترابية من العنف والشر والأنانية والقبح ..

حاولت جعل الأمر أكثر عمقاً من تلك السذاجة التي طرحتها بالأعلى :

بالنسبةِ لي : كان هناك مسافة كافية لمروري دون إحداث أي كسر بكيس الرقاق مما يجعل تصرف العجوز غير مهذب على الإطلاق .. ويجعلها – منطقياً – "ست شلق" ..

بالنسبة لها : فالأمر مختلف تماماً ، فما أنا إلا "شاب سيس" من هؤلاء الذين تراهم كثيراً .. لا يعلمون أي شيء عن قسوة الحياة ، يكتفي الواحد منهم بكونه يمسك تليفوناً أحضره البابا .. ومناديل يجففُ بها عرقه الثمين متأففاً من أمثالها من الذين تسبقهم رائحتهم ولا يمنعها مُذيل عرق مميز كذلك الذي يستخدمه ..

بالنسبة لي : كان المرور غاية .. المسافة كافية .. وحدوث خطأ ما يؤدي إلى كسر الرقاق ليسَ بذات الأهمية ويمكن محوه باعتذار مبتسم ..

بالنسبة لها : فحماية الرقاق هي الغاية الأهم .. الغاية الأسمى التي تعلو حتى على مشاعر أفندي لطيف مثلي – هكذا كنتُ سأوصف في مشهد مثل هذا برواية ليحيى حقي أوطه حسين ! - ، وحدوث خطأ ما يعني ضياع قوت يوم كامل .. أتدري ؟؟ يوم كامل قد يكفله هذا الكيس ، ولا معنى لهراء الاعتذار المبتسم هنا .. فالأمر أكثر جدية ، فعلى ماذا ستخاف وتصبح شرسه إذا لم تخف على طعامها وطعام أولادها من شخص لا يدرك شيء من كل هذا ؟؟

كان من الممكن أن ينتهي الأمر هنا أيضاً برؤيتي منطلقات كل منا ..

إلا أن هذا غيرُ مرضي !

فقد خرجت هي بالرقاق سليم .. ومع ذلك فقد خلفت لي الغضب وربما الإهانة ..

شعرتُ حينها بأن الأمر غير عادل
وحاولت إعادة تشكيل المشهد بأشكالٍ أخرى متاحة

"طريقُ الرجل الطيَّب محاصر من جميع الجهات بظلمِ واستبدادِ الرجل الشرير ، باسم المحبة والخير والإرادة الحسنة .. سأرعى الضعيف في وادي الظلمات"


1


تبعاً لنظرية يبدو أن رامز الشرقاوي مقتنعاً بها فإن مأساة البشر الحقيقية تنبع من كونهم "أولاد كلب" ، وإذا هوهوت الكلاب .. فعلينا الابتعاد دون تناطح ..

- حاسب حاسب هتكسره هتكسره
- ما هو ...
- طب عدَّي بقى .. عدَّي

لأكن أنا الرجل الطيب .. وهي الرجل الشرير .. وهدوءي وتصرفي بحنكة هو الراعي الذي يحميني في الوادي ..

أمر في تلك الحالة بهدوء وسلام نفسي مقتنعاً تماماً بأن هذا هو الصواب وأن حقي لابد أن يعود عن طريق رجل أشر سيقابلها في الوادي .. مبتسماً لأنني قد مررت بسلام وأن الراعي لم يخذلني

2

تبعاً لنظرية يبدو أن رامز الشرقاوي مقتنعاً بها فإن مأساة البشر الحقيقية تنبع من كونهم "أولاد كلب" ، وإذا هوهوت الكلاب .. فليسَ على الذئابِ حرج

- حاسب حاسب هتكسره هتكسره
- ما هو ...
- طب عدَّي بقى .. عدَّي

لتكن هي الرجل الطيب .. وأنا الرجل الشرير ..

- جرى إيه يا ست انتِ ما تحترمي نفسك وتتكلمي عدل ، انتِ حد دسلك على طرف
- كنت هتكسر الرقاق يا ***
- تصدقي إنك **** ، رقاق إيه وزفت إيه ، آدي الرقاق اللي خايفة عليه يمكن تتربي

وأهشم بساعدي كيس الرقاق كما يليقُ تماماً برجل شرير ..

وليكن الناس في تلك الحالة هم الراعي لها في الوادي من الأشرار مثلي

يتدخل ركاب العربة الذين لم يرضهم أن أقوم بسب عجوز في سنَّ جدتي وأكسر رقاقها .. ولكن نظراً لعلامات الشر والصياعة التي بدت على وجهي لم يجرؤ أيًّ منهم على الاحتكاك بي ، فقط قاموا بمواساة المرأة ومسح دموعها .. وأمام قسمي الواضح بعدم دفع أي مال لها كتعويض لما تعرضت له من أذية .. وأمام تقطع جملها اللاهثة " لازم ابن الكلب ده يديني فلوس الزفت اللي كسره ، دي مش عشاني يا ناس دي عشان العيال اللي مستنيين في البيت لقمة يتسمموها ، إن شالله يا رب تخدني وتريحني من العيشة الزفت والقرف اللي إحنا فيه ده" ، لم يجدوا بديلاً عن التجميع من بعضهم البعض لإعطائها أي شيء وجعلها تترك العربة حتى لا تستمر المشادة .. وهو ما حدث بالفعل ..

تركت العجوز العربة تسبقها دموعها وقولها المسموع "حسبي الله ونعم الوكيل" ، وجلستُ أنا بجانب الحسناء وعلى ملامحي نشوة الانتصار .. نظرتُ لها بطرف عيني مطلقاً بصوت واضح "عالم ولاد كلب لازم ياخدوا بالجزمة" .. وهو ما أكدته بهز رأسها لأسفل ولأعلى ، مما جعل الأمر برمته مقدمة لبدءِ حديث لم يسعفني خيالي في التفكير إلى أين سينتهي ؟! .. فكر أنتَ !

تصرفت السيدة بما يليق ( برجلٍ طيب ) .. وتصرفتُ أنا كما يليق – تماماً – بالرجل الشرير .. وكانت الانفعالات المحيطة جميعها هي الراعي كما يجب أن يكون ..

****

إلاَّ أنني لم أرضَ أبداً عن كلا الرؤيتين !

****

3

تبعاً لنظرية يبدو أن رامز الشرقاوي مقتنعاً بها فإن مأساة البشر الحقيقة تنبع من كونهم "أولاد كلب" ، وهذا هراء لا أقتنع به على الإطلاق – كما يليق بشخص عرف بؤساء فيكتور هوجو وأحدبه في الثالثة عشر من عمره ! -

- حاسب حاسب هتكسره هتكسره
- ما هو ...
- طب عدَّي بقى .. عدَّي

لأكن أنا وهي .. هؤلاء الجالسين في العربة والسائرين خارجها .. أنا وأنتم .. كل من يمكن له أن ينضم تحت كلمة ( نحن ) .. نحنُ الرجل الطيب .. والدنيا هي هذا الوادي .. والأقدار التي تخلق بيننا أحياناً صدف غير منطقية أو تشكل بداخلنا إثم نريد تحقيقه .. هي الرجل الشرير .. ولتكن المحبة هي الراعي لنا


- أنا آسف يا ستي مكنش قصدي
- ولا يهمك يا ابني

أبتسم .. تبتسم .. وتبدو الابتسامتين من أجمل وأصدق ما صادفتُ في يومي
لا تصبح لي في تلك الحالة جزء من ملامح مزعجة ومتشابهة .. بل كياناً إنسانياً شَكَّلتُ في لحظة خطراً على قوته فتعامل بعنف .. وفي اللحظة التي تليها أشعرته بإنسانيته – وربما إنسانيتي – فتعامل بلين !

بدا الأمر رائعاً حقاً
به بعض السذاجة .. ولكن من قال أننا لسنا بحاجة ملحة لأن نتصالح مع كل سذاجاتنا التي تجعلنا أكثر إنسانية ؟؟

****

خرجتُ من كل تلك الأفكار على صوت السيدة العجوز تشتم السائق ويردُّ عليها بالمثل لأنها طلبت منه أن يهدء سرعة العربة كي تنزل بحمولتها ولكنه تعجل فكادت تسقط ويتهشم قوتها ..

بدا ليَ الأمر في تلك اللحظة مثيراً للشفقة .. لها وله ، ماذا لو ابتسم أحدهما لثانية واعتذر ببساطة ؟ ماذا لو ساعدها أحد الركاب في إنزال كيس الرقاق للأسفل ؟ ماذا لو تمهل السائق نفسه لثواني تتيح لها النزول بأريحية ؟ وماذا لو لم ترفع صوتها عليها وتشتمه ؟؟

بدا ليَ كذلك أن أدعي وقتها ادعاءً – ربما غير سليم – وهو أن كل ما نقرأه من كتب .. نشاهده من أفلام .. نسمعه من موسيقى ، أن كل تفاعلتنا مع العالم الخارجي مع اتساعها تصب جميعها في مصبٍ واحد : أن تجعلنا أكثر بشرية !

تابعتُ السيدة بنظري .. بدت ملامحها ساخطة ولاعنة للكثير من الأشياء التي صادفتها في رحلتها اليومية ، في الأغلب كنتُ من ضمن تلك الأشياء ، ومع ذلك ودتُّ لو استطعت الاعتذار إليها والتأكيد على أن المسافة كانت كافية للمرور دون أي خطر على الرقاق !

إلا أنها غابت عن نظري بعد تحرك العربة سريعاً مع صراخ التابع "جيزة جيزة جيزة"

17 نوفمبر 2007

Martin Scorsese's The Big Shave - 1967





عام 1967 قدم المخرج الناشيء مارتن سكورسيزي عملاً قصيراً في خمس دقائق ونصف يسمى ذا بيج شاف لم ينتشر على مستوى واسع وقتها .. وحتى أمس فقط لم أكن قد شاهدته أو سمعت عنه .. لولا صديق عزيز أشار عليَّ به أثناء حديث متسع عن سينما مارتن سكورسيزي ومشروعه عن أمريكا ..

إعجابي بهذا العمل - انبهاري بمعنى أصح - تجاوز بالفعل الجانب الفني والتقني به والذي رأيت به الشرارة الأولى لبعض من الأساليب التي رسخها سكورسيزي في سينماه بعد ذلك - شاهد هذا الولاء الجم للتفاصيل البسيطة الموجودة في مشهد وديكور واحد لا يوجد به شيء يثير العين تقريباً إلا أن سكورسيزي يعطيه منحنى مختلف تماماً .. شاهد زاوية التصوير التي قدم بها أول لقطات العمل وتذكر كم مرة شاهدتها في شوارع وضيعة أو تاكسي درايفر أو الثور الهائج أو الطيار .. شاهد أسلوب القطع على متناثرات الحمام في بداية هذا العمل ومثيله تماماً في المشهد الأخير من الثور الهائج لكن على غرفة لاموتا هذه المرة .. شاهد طريقة التقاط الكاميرا للرجل بأكثر من موضوع ومثيلها في الطيار بمشاهد الحمام تحديداً .. شاهد حتى اضطراب المشهد ككل اللي بيفكرنا تلقائياً بمشهد "أتتحدث إلي" في تاكسي درايفر " - وبالرغم من عظيمة كل هذا إلا أن ما بهرني أبعد من ذلك ..

العمل بسيط للغاية .. ولكنه يقدم رؤية مبدئية ومبسطة لأمريكا من وجهه نظر سكورسيزي .. نفس تلك الرؤية التي رسخها بعد ذلك على مدار أربع عقود بعدة أفلام تستحق بلا أي مبالغة كلمة ( تحف ) ..
صدور الفيلم بعد الحرب الأمريكية على فيتنام لا يجعله فقط منوطاً بذلك ، هو مرتبط بأمريكا كل وقت وعقد .. هل هناك فرق لو قدم هذا العمل نفسه بعد حرب الخليخ أو حرب العراق أو أفغانستان ؟؟ ، الأمر واحد : في ذروة هذا التجمل الذي تتجمله أمريكا أمام العالم .. أو في ذروة رغبتها في أن تجعل كل شيء متكاملاً كما تبغاه تقوم ( بتجريح ) نفسها وتجريع العالم كذلك بالكثير والكثير من الدماء والعنف والحروب والدمار .. مع وجود آلية إعلامية - مياة الحوض - تقوم بتغطية تلك الدماء ولكن الأمر يزداد عن الحد ويتطور مع الوقت حتى تعجز الأدوات الإعلامية تلك/مياة الحوض في السيطرة على الوضع ، تغرق الدماء الأرضية وبقية الحوض .. وجه الرجل/أمريكا .. وكامل جسده ، وهو في كل ذلك لا يشعر أبداً بشيء خارق قد اقترفه في حق نفسه أو في حق الإنسانية بشكل عام .. فالأمر مجرد حلاقة ذقن تجميلية ولكنها مبالغة بعض الشيء !!

تلك الرؤية - العبقرية في نظري - التي قدمها الشاب ذو الخامسة والعشرون عاماً في ذلك الوقت مارتن سكورسيزي ، هي نفسها التي طبعت كافة أفلام المسيرة .. وكونت بدورها رؤية متسعة لما يوضع تحت عنوان عريض :


America Was Born In The Streets*



باختصار شديد :

لقد بدأ المشروع


أبكر كثيراً مما توقعت !!

---

ملحوظة 1 : حينما شاهدت هذا العمل بالأمس وانتويت طرحه بالمدونة لم ألحظ أن اليوم - 17 نوفمبر - وهو عيد الميلاد الخامس والستين لمارتن سكورسيزي .. كل سنة وانتَ طيب يا مارتي :)

ملحوظة 2 : الفيلم قد يكون عنيف بالنسبة للبعض لاحتواءه على الكثير من مشاهد الدماء .. بس بلاش دلع والنبي عشان الفيلم جميل :)

ملحوظة 3 : شكر واسع بطول الطريق الواصل بين مصر وإسكندرية للأخوين جودة - أحمد ومحمود - فلولاهما لم أكن قد شاهدت العمل بعد .. بل أن جزء من تحليلي الشخصي للعمل نتج عن نقاش معهم عنه .. شكراً يا رجالة :)

---

* The Gangs of New York Tagline

12 نوفمبر 2007

We'll always have this moment

Sometimes there's so much beauty in the world
I feel like I can't take it
like my heart's going to cave in


.
.
.

يا راميني بسحر عنيك الاتنين ما تقولي واخدني ورايح فين
؟!

10 نوفمبر 2007

اسماعيلاوي ارتدى زي النادي الأهلي

على عكس كتير من أبناء جيلي - والأجيال السابقة ! - أعتقد إن انتماءي الكروي جه متأخر شوية

في مرحلة مبدئية من حياتك قد تتواءم مع بداية نطقك للكلام بيكون عليك الاختيار بين إنك تكون أهلاوي أو زملكاوي .. ولإني أزعم محاولتي دائماً الانتماء للفطرة الخيرة - البعد عن الفطرة الشريرة كمعنى أدق - قررت ببديهية الخيرين إني مش هشجع الأهلي ، وكاستدلال منطقي - وإن كان غير محدد من ناحيتي - لقيت نفسي بشجع الزمالك على طريقة "الزمالك كسب .. طب فل ، الزمالك خسر .. طيَّب !" - والأخيرة هي المستخدمة غالباً - بشكل عام الزمالك مكنش بيفرق معايا بأي شكل لكن كان دايماً في دافع خفي بيفرحني لما الأهلي يخسر في الدوري المحلَّي تحديداً .. ربما لأن ذلك وسيلة لأن تشمت في أغلب أصدقائك اللي مطعين عين أهلك على طريقة "خدتوا ستة رايح .. خدتوا أربعة جاي" .. ومع ذلك لا أخفي اعجابي بالكرة اللي كان بيقدمها الأهلي في بعض الأوقات - 2005 تحديداً - عن طريق أبو تريكة وبركات ومتعب بشكل متفاهم جداً بيظهر جماليات الكرة بشكل كبير وهو أكتر شيء بحبه في اللعبة حتى لو عن طريق فريق مش بحبه .. ولا أخفي أيضاً حبي الغريب لمحمد أبو تريكة وابتسامته ! وأعتقد - بصرف النظر عن خطيئة انتماءه للأحمر - هو أكتر لاعب كرة حبيته في حياتي .. بدءً من قيادته لفريقه .. ووصولاً لابتسامته الساحرة .. مروراً بهدوءه وأخلاقياته وتديُّنه .. مهاراته الكروية المميزة .. وروحه الرهيبة في الملعب أيًّ كان الفريق اللي بيلعب له سواء الترسانة أو الأهلي أو المنتخب ..

المهم عن طريق حكاية مملة هبقى أحكيها بعدين وصلت لإن الإسماعيلي بيلعب أحسن كرة في مصر .. كرة مهارية وسريعة بتشكل بالنسبة لي النموذج المصري الأقرب لمعنى كرة القدم القايمة على إنك ( تلعب ) مش بس إنك ( تكسب ) ، ومع المتابعة المستمرة من يناير 2006 حتى سبتمبر من نفس السنة .. فهمت يعني إيه تنتمي لفريق، اللي هو تفرح بجد لما يكسب .. تزعل لما يخسر أو يتعادل .. تطنطط لما يجيب جون .. وتفضل على أعصابك وانتَ بتتفرج على ماتشه ..

كل اللي فات يبدو مقدمة جيدة عشان أتكلم عن ماتش الأهلي والنجم الساحلي اللي اتلعب إمبارح على استاد القاهرة وخسره الأهلي 3-1 وخسر معاه الاحتفاظ باللقب الأفريقي

الكُرْة غير المحدود اللي بتكنه محافظات القناة للأهلي واللي ظهر ليَّ عن طريق رابطة مشجعي النادي الإسماعيلي اللي أنا منتمي ليهم على النت - حتى أننا لا نتحدث عنهم سوى بالحُمر ولا أعرف لماذا ! - مكنش مبرر بالنسبة لي عشان أكون ضد الأهلي إمبارح أو حتى قبل كده في أيًّ من مباريات البطولة

أزعم بالفعل إني إسماعيلاوي مُتعصب - رغم عدم انتماءي لمحافظة الإسماعيلية - ومع ذلك أعتقد إني كنت حزين لخسارة الأهلي أكتر من حزني لخسارة أي بطولة تانية أفتكرها على المدى القريب !

كنت قبل الماتش ده وفي ماتش سوسة في الذهاب وفي كل ماتشات البطولة بشجَّع الأهلي .. بس كنت معتقد إني هشارك في الفرح بس ولو لا قدر الله حصل حاجة والأهلي خسر مش هزعل - زي ما حصل في ماتش الهلال مثلاً - و هواسي أصحابي بكلمتين وخلاص ، بس اللي حصل إني مضايق بجد ولحد دلوقتي .. مش فاهم ليه !
بس حاسس فعلاً إني خسرت حاجة قيَّمَة بعد ما بقت تقريباً في إيدي
حاسس إني زعلان على الناس وعلى اللعيبة بجد

مش عارف الموضوع ليه علاقة بانتماء لبلد وإن الأهلي بيلعب باسم مصر ولا لأ

بس اللي أعرفه إني كنت مبسوط أوي من إحساسي على القهوة وإحنا متجمعين وبنشجع الأهلي بحماس ومع كل كرة نقوم نقف .. ومع كل غلطة تحكيمية نشتم الحكم بشتايم قبيحة .. ومع جون الأهلي حضنت واحد معرفوش ! ، كان نفسي فعلاً أفرح مع الناس دي بالكاس ونكوَّن مع بعض لحظة مش هتتنسي .. وكان نفسي الخمسين ألف اللي راحوا الاستاد ودفعوا من جيوبهم مبالغ تذاكر مستفزة واستحملوا الشمس والضرب والبهدلة والعطلة في الاستاد أكتر من ساعتين بعد الماتش لحد ما الزعيم يروَّح بيته وياكل رز مع الملايكة .. يفرحوا هما كمان بحاجة من الحاجات القليلة اللي بترسم بسمة على شفايفهم !

استفزيت أوي من فرحة الزملكاوية بفوز النجم !
ومش موافق على فرحة بورسعيد والإسماعيلية وإن كنت متفهم تماماً أسبابها ودوافعها - التفهم لا يعني الموافقة بالتأكيد -

عموماً
الأهلي لعب ماتش كبير .. كل اللاعيبة تقريباً أدت المطلوب منها .. ولحد طرد النحاس كان المباراة في إيدنا .. وحتى بعدها كان ممكن ده يحصل ، بس هي دي الكورة ! ..

أنا مش جيَّد أوي في المواقف الوطنية اللي بتأثر الألباب !
بس باعتباري مضايق زيكم بالظبط .. ويمكن - بقول يمكن - أكتر
عايز أقول هارد لك ( لينا ) فعلاً .. معلش لعلاء وعبد الرحمن وحسين ويوسف وأيمن وياسر اللي شافوا الماتش معايا النهاردة واتنكدنا سوا .. معلش لياسمين وياسمين ومصطفى ورامز وشيرين وسلمى وبسمة وفؤاد وشريف ورامي اللي رغم انتماءهم للزمالك بس أكيد برضه كانوا زعلانين - محدش يكسفني يا عيال ويقول لأ ! - .. معلش لخمسين ألف متفرج كانوا في الملعب ودفع كل واحد منهم ميتين جنية عشان نفسه يفرح .. ومعلش لأكتر من تلاتين أو أربعين مليون اتجمعوا إمبارح على تشجيع الأهلي بجد .. معلش لتصرفات ملهاش لازمة صدرت من جماهير مُتَعصَبة - منهم جماهير الإسماعيلي - بتحب فرقها غلط .. معلش لأربعتاشر لاعب لعبوا النهاردة محدش فيهم قصر في حق الناس ..

هارد لك ( لينا ) فعلاً !

31 أكتوبر 2007

تارنتينو الذي لم يخرج بكاميراته لاهياً



بدا الأمر لي وأنا أشاهد آخر أفلام المجنون الأمريكي الكبير كوينتن تارنتينو "ضد الموت" أنني أشاهد شخص ما أراد تقليده .. نجح إلى حدًّ بعيد في أن يقلد .. ولكنه فشل في أن يبتكر ويفاجئ مثلما حدث في روائعه الخمس السابقة ..

من الصعب أن يتعامل المرء مع مخرج لم يمضِ على وجوده السينمائي أكثر من خمسة عشر عاماً باعتباره "أسطورة غير مكتملة" لن نستطيع التعامل معها بعد عدة عقود إلا على هذا الأساس ، ولكن الأمر يبدو أبسط مع تارنينو الذي خلق عدَّة أفلام وضعته في تلك المكانة المميزة – نقدياً وجماهيرياً - التي لا يضاهيه أحد فيها ، أفلام لم يميزها فقط تفوقها الفني والتقني ولكن الأهم هو تلك الروح التي تجمعهم .. روح خاصة بشغف صانع أفلام أصيل في أن يصنع شيء بقدر ما هو ممتع .. بقدر ما هو عميق .. بقدر ما هو مجنون ومبتكر ، وليسَ غريباً أن يبدو تارنتينو دائماً وكأنه فتى في العشرين يلهو بكاميرا حديثه أحضرها له والده ليصنع اقتباسات مميزة من أفلام سبق أن شاهدها .. حوارات لا هدف لها سوى كونها تحدث في الواقع فعلاً .. أحداث غريبة تحدث في أوقات أغرب لأن تلك – ببساطة – هي الحياة ، بشكل عام بدا تارنتينو ضليعاً وماهراً – بشكل لا يُضاهى – في فلسفة العبث .. أو منطق اللا منطق إن صح التعبير ..

لتلك الأسباب يبدو الاهتمام بكل مشروع جديد يدخله المجنون الأربعيني شيئاً طبيعياً ..
ومشروعه الجديد بدا في البداية كمساحة متسعة تسمح له بشيء طالما أحبه وهو "اللهو بالكاميرا" ، هذا المشروع هو اتفاق مع صديقه روبرت رودريجز في تقديم عمل يُسمى "جريندهاوس" عبارة عن فيلمين منفصلين مدموجين في فيلم واحد يقوما فيه بإحياء السينما التي شاهداها شباباً والتي ازدهرت في بداية السبعينات وأطلق عليها هذا الاسم .. سينما ضعيفة الإنتاج .. سيئة الإخراج .. متشابهة الأفكار .. تُشاهد في القاعات الرخيصة .. تعتمد بشكل أساسي على العنف والإثارة الجنسية دون أي منطق درامي ، ولكنها رغم ذلك شكَّلت جزءً من ذاكرة جيل كامل .. هو نفسه جيل هذين المخرجين ..




ولأن تارنتينو مبهور بكل ما له علاقة بالتجديد ومخالفة المألوف .. ولأننا كمحبين له أحببنا فيه ذلك .. انتظرنا عمله الجديد ، ضد الموت في نظري عمل جريندهاوس حقيقي .. مصنوع بشكل مُتقن حتى في جوانب رداءته – المقصودة تماماً - .. به روعة تصويرية وقدرة مميزة على صنع حوارات مثيرة تقوم أساساً على اللا شيء – حوارات عن طقطقة الظهر أو أشكال البرجر المختلفة أو الحيوانات القذرة أو حتى طبيعة المداعبة الجنسية التي تحدث بين مراهقة شابة وصديفها والتي تنهيها بطرده خارج المنزل ! - .. روح تانتينو موجودة في هذا العمل بالفعل – ربما أكثر حتى من كيل بيل - .. ولكن هناك مشكلة واحدة : أن تارنتينو لم يلهو بكاميراته هذه المرة قدرما قلَّد ثورته السينمائية التي حققها في منتصف التسعينات .. ولأن العبث إذا قُلَّد – حتى لو بإحكام – سيفقد خصوصيته .. لم أشعر بخصوصية تارنتينو هنا كما شعرتها في كافة أفلامه السابقة ..

في كافة أفلام تارنتينو السابقة هناك قصة بسيطة للغاية تدور حول الجريمة من زاوية أخرى غير التي اعتدنا عليها تقوم على أساس "لا منطق الجريمة" مع تركيز واضح على "منطق مرتكبيها" ، في أفلامه السابقة هناك "فلسفة" واضحة لكل مجرم فيما يفعله .. تبدو عبثية في أحيان كثيرة ولكنها تملك منطقها الخاص الذي لا تستطيع إلا أن تحترمه .. وفي المقابل هناك شغف بإظهار مدى لهو "الجريمة" وكأنها بطل مشارك في العمل "بلا منطقه الخاص" الذي يرفض تماماً منطق المجرمين ، إناس يموتون في أوقات غريبة وبشكل أغرب .. مخططات يتم كشفها .. فشل في تحقيق المهام المحددة سلفاً .. لأنه ببساطة لا يوجد في الجريمة أي منطق !

"ضد الموت" يمتلك بالفعل كل هذا ولكن دون العمق الذي امتلكته أفلام الرجل السابقة .. سواء إن كان هذا العمق على مستوى الصورة السينمائية أو حتى الأفكار الضاربة في اللهو ، هناك اكتفاء بجنون القصة وشغف إحياء سينما الجريندهاوس وإكسابها نكهة مميزة عن طريق حوارات تارنتونية النكهة ولكن دونَ اقتراب كافي من منطق المجرم – كذلك الذي يحمله جولز في بلب فيكشن مثلاً ! – .. أو حتى صنع ذلك بنكهة التجديد التي نراها في كيل بيل ، هناك مشاهد بدت وكأنها قص ولصق من أفلام الرجل السابقة – مشهد المطعم ومثيله في بداية كلاب المستودع .. مشهد السيارة ومثيله بنفس الزاوية التصويرية في بلب فيكشن .. بل ومشهد أبيض وأسود على نسق آخر في كيل بيل لم أفهم هدفه أو الداعي إليه ! – .. حتى الحوارات التي ميزته دائماً شعرتُ أنها لرجل يَدَّعي أنه تارنتينو ولكنه ليس هو بالفعل ، تارنتينو يُقلد تارنيتنو !

سيكون من الظلم اعتبار هذا العمل سيء بأي حال من الأحوال ، بالعكس هو عمل ممتع ومصنوع بشكل جيَّد للغاية مع تفوق معتاد من الرجل في أدواته السينمائية كافة ، ولكن لن يكون من الظلم أبداً – في نظري على الأقل – اعتباره أقل أفلام كوينتن تارنتينو .. سواء من ناحية الابتكار .. أو من ناحية العمق .. أو من ناحية الجودة ، فهو لم يخرج بكاميراته لاهياً هذه المرَّة كما اعتادَ دائماً ..

22 أكتوبر 2007

كما أعتقد



يحيى : مين أجدع رقاص في الدنيا يا ولا ؟
عمرو : انتَ
يحيى : قول أحسن من أبوك
عمرو : أحسن من أبوك
يحيى : قول أحسن من أبوك
عمرو : أحسن من أبويا



----

الوصول .. اختيار


----


يحيى : جيجي تعرفني من واحنا صغيرين وإحنا في سنك كده ، لما شافت الفيلم حست إنك انتَ أنا بالظبط .. المليجي أبويا بالميلي وانتَ وانا صغير بالميلي .. نظرة العين واحدة

عمرو : يعني هبقى مخرج مهم زيك لما أخلص معهد السينما

يحيى : هتبقى أحسن ممثل في العالم .. ممثل الجيل .. وطبعاً جيلكد قالهالي .. جيلكد أعظم هاملت حصل ، آخر تلات مرات مثَّل فيها هاملت كان عندنا في الأوبرا أثناء الحرب .. كان هنااااك تحت وطلع يقول كلمة الوداع : وقفت على خشبة المسرح أمثل دور هاملت والل الليلة .. الليلة المرة الأخيرة .. فالليلة عايز أسلم الشعلة للجيل الجديد .. ممكن يكون واحد قاعد هنا .. بينكم
قلت أنا ! بيكلمني أنا .. بيحملني المسئولية دي أنا .. إني أكون أحسن ممثل في العالم وبما إنك أنا - على أحسن - .. شفت بقى مسئوليتك دي قد إيه ؟ .. وقريَّب .. في كان :)

عمرو : كان ؟!!

يحيى : وتطلع واحد سولو تستلم الجايزة
وراسك عاملة كده .. بثقة .. لكن تستلمها بتواضح واضح ، والملايين يسقفوا زي المجانين
عمرو .. يحيى : يااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااااه

----

الاستمرار .. اختيار

----
يحيى : لازم معجزة تحصل
تحية كاريوكا : ومعجزة ليه ، أول فيلم عمله عمرو خبطولكم جايزتين
يحيى : طب والتاني كان أحسن منه ، طلعنا بإيه ؟! خازوق مغرَّي
تحية كاريوكا : عمرو كان هيموَّت نفسه عشان ياخد الجايزة
يحيى : مش شرط يعني ، مش أنا اللي بفبرك لجنة التحكيم ، الواحد في إيده إيه غير إنه يعمل فيلم عدل
في المؤتمر الصحفي .. قعدت ساعتين أفهم الخواجات إنهم حمرة وخشيت فيلم تاني وخلاص
تحية كاريوكا : وفضلت زي الحديد ، انتَ معجزة ياض
----

السعادة بتجلَّي الوصول .. اختيار

----

أنا بَحِب يُوسِف شاهين !

21 أكتوبر 2007

بقوة العمـَّال


المطرقة ناحت على السندان
اتقسمت كتل الحديد قضبان
الرأسمالي بيملك الآلة
الرأسمالي بيسجن الإنسان
الرأسمالي بيملك الآلة
أغلال على استغلال على بطالة
يجعل حياتك يا فقير عالة
ويموَّتَك ويبيع لك الأكفان



أنا نفسي مش متأكد إذا كان التضامن ده ليه معنى ولا لأ ، بس اللي متأكد منه إني وكتير غيري عايزين نعمل أي حاجة - أيًّ كانت بسيطة .. أيًّ كانت صعبة - للناس دي ..
في الأمنية والأمل
في الشارع المفتوح
في الشارع اللي اتقفل
وبين رصيف وسطوح
وبين كراسي وموائد
وفي الاحترام والحب
على إيدين الوالد
في الماء نبع ويصب
وفي حضور الصبح
وفي اجتماع القمة
لازم تعيش المقاومة


--

- الأبيات لفؤاد حدَّاد
- الصور من مُدوَّنة كريم البحيري المهمة " عمــَّــال مَصـــر "

21 سبتمبر 2007

واذكر رحمة ربكَ في القرآنِ والإنجيلِ والتوراة

ملحوظة هامة :
هذا الموضوع لا يهدف للوعظ بأيَّ شكل من الأشكال !
ما هيَ إلاَّ أفكار تراءت لصاحب هذهِ المُدَوَّنة


( 1 )

بسم الله الرحمن الرحيم : { عَبَسَ وَتَوَلَّىٰ } * { أَن جَآءَهُ ٱلأَعْمَىٰ } * { وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّىٰ } * { أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكْرَىٰ } * { أَمَّا مَنِ ٱسْتَغْنَىٰ } * { فَأَنتَ لَهُ تَصَدَّىٰ } * { وَمَا عَلَيْكَ أَلاَّ يَزَّكَّىٰ } * { وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسْعَىٰ } * { وَهُوَ يَخْشَىٰ } * { فَأَنتَ عَنْهُ تَلَهَّىٰ } * { كَلاَّ إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ } * { فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ } * { فَي صُحُفٍ مُّكَرَّمَةٍ } * { مَّرْفُوعَةٍ مُّطَهَّرَةٍ } * { بِأَيْدِي سَفَرَةٍ } * { كِرَامٍ بَرَرَةٍ } صدق اللهُ العظيم

سورة عبس
الآيات
من 1 إلى 16

لا أعرف تحديداً لماذا أتأثر بشدة حينما أستمع أو أقرأ الآياتِ الكريمات التي تعبر عن المرة الوحيدة التي قال فيها الله تعالى لنبيَّه الكريم ( كلا ) ..
أشعر حينها بحالة من السكون ، قُلتُ ذلك لأحدهم مرَّة فأخبرني بأنَّ قلبي يخشع لله ، لم أقتنع ، فهيَ ليست حالة خشوع تحديداً .. قدرما هيَ شعور جارف بأنَّ "الله جميل" .. فقط لا غير !

حينما أستمع لتلك الآيات – وبضع غيرها – أتلمس بشدة ذلك النور الذي يجمع الأديان .. السماوية وغير السماوية ، ذلك الإله الذي يدعونا إلى المحبة .. الرحمة .. الخير ، يتجسد ذلك كله – في أقصى صوره من وجهِ نظري – في آياتِ سورةِ "عبس" .. مصحوبة بالحكمة الإلهية الجميلة : إنَّ أكرمكم عند اللهِ أتقاكم ..

أغلب المفسرون اجتمعوا على تفسير واحد لتلك الآيات ، هذا التفسير هو أن الآية نزلت كعتاب من الله عز وجل لسيدنا محمد – صلى الله عليه وسلم - .. حيثُ كانَ جالساً مع بضع رجال من أشراف وأفاضل قريش – قيلَ أن منهم عمرو ابن هشام والوليد ابن المغيرة - يدعوهم للإسلام في سنواته الأولى .. دخولهم فيه واقتناعهم به يحقق دفعة كبيرة للدعوة المحمدية .. ليسَ فقط لأن كثيرين سيدخلون إلى الإسلام كتابعين لأشرافهم .. ولكن – بالأهم – أنَّ الكثيرين ممن خافوا الجهر بإيمانهم اتقاءً لشرَّ هؤلاء سيجهرون به ويمارسونه دون خوف .. كما أنَّ صد الناس عن الإسلام سيتوقف مما سيزيح الكثير من العقبات التي واجهتها الدعوة – راجع الدفعة المعنوية والمادية التي حققها دخول عمر ابن الخطاب للإسلام - ، هذا الأمر يتطلب من الرسول الجهد والعزم .. وبينما هو يحادثهم جاءه رجل أعمى هو "عبد الله ابن أم م
كتوم" وقال للرسول : "ارشدني وعلمني مما علمك الله" وألح في طلبه عدة مرات وهو يعلم انشغال الرسول بأشرافِ مكة ، فعبس الرسول – في وجه أعمى لم يره – وأعرض عن طريقه ليكمل مخاطبته لمن يخاطبهم ..

هنا نزلت كلمة الله ( كلاَّ ) في المرة الوحيدة التي يقولها المولى لرسوله ذي الخلقِ العظيم ..

هناك تفاسير شاذة عن هذا الإجماع – بمختلف الطوائف - ، بعضها تفاسير شيعية ترى أن الآية نزلت في عثمان ابن عفان حيث جالس النبي صلى الله عليه وسلم وجاء رجل فقير فأعرض عنه وعبس ! .. أو أن الرجل المقصود من أهلِ بني آمية ! ، وبعض التفاسير الزيدية ارتأت أنَّ توجيه خطاب غير مباشر يعني أن المخاطب ليسَ النبي والمُتحدث عنه في الآياتِ هو شخص مجهول لم يذكره الله عز وجل لأن المهم هو المعنى المقصود من الآية وليس الأشخاص !

أنا شخصياً أفضل كثيراً أن يكون المخاطب هو محمد ابن عبد الله بصرف النظر عن إجماع أغلب المفسرين على الرواية الأولى .. وبصرف النظر عن عدم معقولية ومنطقية التفاسير الأخرى – تبعاً لمحتوى الآيات - ..
فتفضيلي هذا له عدة أسباب :

أولاً : أن ذلك يعني أن كون الرسول الكريم ذا خلق عظيم .. فهذا لا ينفي السهو والنسيان في بعض الأحيان ، وأن العصمة لا تعني عدم الخطأ مطلقاً
ثانياً : التأكيد على أن الإسلام – حتى في سنواته الأولى – لم يحث الله نبيه على الاهتمام بالأشراف والأفاضل في مكة ، الدعوة تشمل الجميع .. من أتى إليك فعلمه ومن أعرض عنك فاعرض عنه ، فهي ( تذكرة ) بحسب التعبير القرآني ..
ثالثاً : أن تكون الآية قد نزلت في موقف عبوس ( مرئي ) لرجل وصفته الآية بالأعمى ، أي أنه لم يرَ عبوس وجه النبي ولم ينجرح منه بالطبع ، ومع ذلك فقد عاتب الله نبيه عليه
رابعاً : بلاغة وقوة وشدة العتاب والتعجب في التعبيرات القرآنية المتتابعة في الآيات .. ربما لو تركتُ قدسيتها ككلمات منزلة من المولى وتحدثت من جانب أدبي – فقط – لقلتُ الكثير !

كل ذلك يصبُّ ربما فيما أراه من نورٍ وجمال في تلك الآيات ..
رحمة الله بهذا الرجل الفقير الأعمى الذي أتى لنبيه راغباً في العلم لعله ( يتطهر من ذنوبه أو تنفعه كلماتك للذكرى ) فاقت كل شيء حتى أنه خشي عليه من عبوس لم يره ! ، كذلك التأكيد على عدم الاهتمام بفصيلٍ وتفضيله بسبب النسب أو المال .. إلخ ذلك : فأما من استغنى عنك وأعرض .. تتوجه إليه بالدعوى .. وتُعْرِضُ أنتَ عمن جاءك راغباً في الذكرى والتذكرة !! ( كلا إنها تذكرة .. فمن شاءَ ذكره )
رجل فقير .. أعمى .. أخطأ في البداية حينما لم يراعِ ظرف طلبه للعلم ، فضله الله عز وجل على أشراف مكة وسادتها ، بل وعاتب نبيه عتاباً شديداً قاسياً من أجله .. وكانت – كما قلت – المرة الوحيدة التي يقول فيها الله لرسوله ( كلا ) في القرآن كاملاً !

يُقالُ أنَّ الرسول حينما استمع لتلكَ الآيات .. بكى بكاءً شديداً ، وأصبح بعد ذلك يخاطب عبد الله ابن أم
مكتوم حينما يأتِ قائلاً : مرحباً بمن عاتبني فيهِ ربي !

****

مش شايف إن الخشوع في الصلاة ليه علاقة بالبكا ! ، أنا شخصياً عمري ما بكيت وأنا بصلي ، مش مهتم أوي بإحساس إني خايف من ربنا ، لما بكون بصلي .. بفتكر كل الحاجات الحلوة اللي في الدنيا .. أبستم وافتكر دايماً إن ربنا جميل عشان كده بصليله ، يمكن عشان كده بقول إن أنا ليَّ ميول صوفية من عمر ست سنين ! قبل ما أعرف حتى يعني إيه صوفية ، صوفية بالفطرة والبديهية كده : أنا بصلي لربنا عشان عايز أصليله وأكون معاه .. مش عشان شوية حسنات !

****

( 2 )

12: 9 الْمَحَبَّة فَلْتَكُن بِلَا رِيَاء كُونُوا كَارِهِين الشَّرَّ مُلْتَصِقِينَ بِالْخَيْرِ
12: 10 وَادِينَ بَعْضُكُم بَعْضَا بِالْمَحَبَّة الْأَخَوِيَّة مُقَدَّمِينَ بَعْضُكُم بَعَضَا فِي الْكَرَامَةِ
12: 11 غَيْرُ مُتَكَاسِلِين فِي الْاجْتِهَادِ حَارِين فِي الرَّوْحِ عَابِدِينَ الرَّبَّ
12: 12 فَرِحِين فِي الرَّجَاءِ صَابِرِينَ فِي الضَّيِقِ مُوَاظِبِينَ عَلَى الصَّلَاةِ
12: 13 مُشْتَرِكِينَ فِي احْتِيَاجَات القَّدَّيسِين عَاكِفِينَ عَلَى إِضَافَةِ الْغُرَبَاءِ
12: 14 بَارِكُوا عَلَى الَّذِينَ يُضْطَهِدُونَكُم بَارِكُوا وَ لَا تَلْعَنُوا
12: 15 فَرَحَا مَعَ الْفَرِحِين وَ بُكَاءً مَعَ الْبَاكِين
12: 16 مُهْتَمَّين بَعْضُكُم لِبَعْضٍ اهْتِمَامَا وَاحِداً غَيْرُ مُهْتَمَّين بِالْأُمُورِ الْعَالِيَةِ بَلْ مُنْقَادِينَ إلَى الْمُتَّضِعِين لَا تَكُونُوا حُكَمَاء عِنْدَ أنْفُسِكُم
12: 17 لَا تُجَازُوا أَحَدًَا عَنْ شَرًَ بِشَرًّ مُعْتَنِينَ بِأُمُورٍ حَسَنَة قُدَام جَمِيع النَّاسِ
12: 18 إنْ كَانَ مُمْكِنَا فَحَسْبِ طَاقَتِكُم سَالِمُوا جَمِيع النَّاسِ
12: 19 لَا تَنْتَقِمُوا لِأَنْفُسِكُم أيُّهَا الْأَحِبَّاءِ بَلْ اعْطُوا مَكَانا لِلْغَضَبِ لَأنَّهُ مَكْتُوب لِي النَّقْمَة أنََا أُجَازِي يِقَولِ الرَّبَّ
12: 20 فإنْ جَاعَ عَدُوَّك فَاطْعِمْه وَ إنْ عَطشَ فَاسْقِهِ لَأنَّك إنْ فَعَلْتَ هَذَا تَجْمَعُ جَمْر نَار عَلَى رَأْسِه
12: 21 لَا يَغْلِبَنَّك الشَّرَّ بَلْ اغْلِب الشَّرَّ بِالْخَيْرِ


مِن رِسَالَة بُولَس الرَّسُولِ إلَى أهْلِ رومِيَّة
الإصْحَاحِ الثَّانِيَ عَشر
الآيَاتُ مِن 9 إلى 21


تبدأ رسالة بولس الرسول إلى أهل رومية بالقول : "خلق الإنسان ليحيا" وتأتي الرسالة كلها – في نظري – مكملة لهذا المعنى : كيف يحيى الإنسان ؟؟

تمتلئ الرسالة بمبادئ الحب والخير .. تأكد في أغلب آياتها على ذلك المعنى ، رغم أن في الرسالة نفسها يقول بولس في الإصحاح الثالث والعشرون .. الآية أربعة وعشرون : "لأنَّ الجميع قد أخطأوا .." !
الرسالة لا تقول أن كل ما فيها سيُتَّبع .. فالجميع قد أخطأوا ! .. ولكنها الإجابة الحقيقية على سؤال : كيف يحيى الإنسان ؟؟
سُميت هذه الرسالة بكاتدرائية الإيمان المسيحي .. ساهمت في توبة القديس أغسطينوس .. كما أنها تحوي عناصر الإيمان من وجهه النظر المسيحية .. وإن كُنت أراها شخصياً تحوي عناصر ( الإيمان ) في المطلق ! ، ذلك الذي وجهه بولس في رسالته بهدف تحقيق عدم التفضيل ما بين اليهود المتنصرين وبقية الأمم .. اليهود يرون أنهم – حتى بعد دخولهم وقبولهم الإيمان بالمسيحية – أفضل من غيرهم فهم "شعب الله المختار" حتى عند تنصرهم ! ، فكان جزءً كبيراً من رسالة بولس يؤكد – تصريحاً أو تضميناً – أنَّ "أكرمكم عند الله أتقاكم" وأنَّ الإيمان ليس ( هبة ) يمنحها العابد لله .. بل هي هبة وهداية من ( الله للعابد ) ..
وكأن بولس وقتها قد تحدث بميزان عالمي .. يتخطى خصوصية الوضع ويضع أسس الإيمان .. أصول الحياة ، بمعنى آخر – كما قلت - : كيف يحيى الإنسان ؟؟

وبالرغم من أنَّ الإصحاح الثامن يبدو الأهم حيثُ سُمَّيَ "بقدسِ أقداس الكاتدرائية" إلا أن الآيات التي نقلتها هنا تختصر الكثير من مُجمل الرسالة :
1- محبة حقيقية بلا مصلحة
2- عبادة الله بصدقٍ وحرارة
3 – عطاء المحتاجين مما أعطاهم الله – لاحظ بلاغة تعبير "مشتركين" وليسَ "معطين" -
4- التسامح وعدم مواجهة الغضب بالغضب بل بالحب والرحمة
5- الفرحة مع الفرحين .. البكاء مع الباكين
6- سالموا جميع الناس


واجمالاً لكل ذلك : واجه الشر بالخير ، بالصبر .. بالاحتمال .. بالحب والإقتداء بالسيد المسيح – رضيَ الله عنه - ..
وفي كل هذا .. لا فضل فيكم لأحدٍ على أحد : إنَّ أكرمكم عند الله اتقاكم ، أكرمكم أكثركم إتباعاً لعناصرِ الإيمان

****

معروف إن أقرب وقت العبد يكون فيه لربنا وهو ساجد ، يقال إن الدعوة بتكون مستجابة ، لما بسجد لربنا وبعد ما بقول "سبحان ربيَ الأعلى" تلات مرات .. مش بعرف أدعي بأي حاجة ، ببستم وأروح قايل "ما انتَ عارف كل حاجة" وبحس فعلاً إن هو سامعني ، وأحياناً كتير أشوفه بيبتسم لي ، ومش بشوف أبداً إني المفروض أقول "حضرتك تعلم كلَّ شيء" ! ، واحد مرة قالي إن ده فيه عدم تأدب مع المولى .. بس أنا شايف فعلاً إن ربنا أجمل من كده .. هو عارف جوا فيه إيه ، وده كفاية

****

( 3 )

أمَّا أنا فمثلِ زيتونة خضراء في بيتِ الله ، توكلتُ على رحمة الله إلى الدهرِ والأبد

من سفرِ المزامير
الآية ( 1 )
المزمور
الرابع والخمسين

****

ربنا جميل أوي على فكرة
أجمل بكتير من اللي إحنا فاكرينه

16 سبتمبر 2007

فلسفة التنفيس



في واحد من أشهر – وأعظم - المشاهد في تاريخ السينما المصرية يسأل أحمد زكي المحامي المُكلف بالدفاع عنه محمود المليجي عن السبب في قبوله لقضيته رغم معرفته سلفاً أنه سيخسرها ، فيجيبه المليجي في مرارة "تنفيسة .. تنفيسة ليَّ ولك ، كلمة حلوة نقولها صحافي يلقط مننا لمحة نضيفة، قاضي تفلت منه كلمة شجاعة ، أهي تنفيسة للكل"
قبل أن يدخل في منولوجه الشهير "وعايزني أكسبها" !

***

حال الصحافة في مصر – والتي تسمى تجاوزاً بالصحافة – لا يتجاوز كونها مجرد "تنفيسة" ، تنفيسة للكاتب .. للقارئ .. تتركها الحكومة لتضرب أكثر من عصفور بحجر واحد .. من ناحية تأكد على ديمقراطيتها وسماحها بحرية التعبير .. ومن ناحية أُخرى تسمح ( للمثقف/القارئ ) على حدًّ سواء بمساحة "ينفس" فيها عن غضبه اتجاه الأوضاع المتردية .. وهي – من ناحية ثالثة – تعلم أن صحافة التنفيس ليست قادرة على صنع تغيير ما في المجتمع يمسُّ مصالحها ولو من بعيد ، تحدثوا عن الفساد .. السلطة .. النفوذ ، هاجموا التوريث .. الرئيس .. الحزب الحاكم ، وفي النهاية : لا جديد ..
ربما لذلك كانت الدستور – على مدار أكثر من عامين – هي أنجح الجرائد المصرية ، فهيَ الأكثر براعة في استخدام "فلسفة التنفيس" ، المواطن المصري الآن لا يحتاج لتحاليل سياسية كُبرى .. أو أحاديث عن مستقبل يعلم أنه لن يتغير .. لا يحتاج لصحافة تتبع الفساد لتصل إلى مصدره .. فالسؤال – غير المُقال – : ما الفائدة من كل هذا إذا كنا نتعامل مع نظام "لا يسمع" ؟! ، لذلك فيبدو أن أقرب ما أراده هو صحافة تعبر عنه .. هكذا "بعبله" ، تتحدث بلغته ومنطقه وفلسفته ، تسب الحكومة آناءَ الليلِ وأطراف النهار ، صحافة بلغة القهاوي – كما وصفها زاماً ممتاز القط في إحدى نبشاتُه – .. ومن أبرع من الدستور في ذلك ؟؟
ولذلك كان نجاحها الملفت المتخطي لجرائد أخرى اتبعت نفس ذات النهج – نهج التنفيس – ولكن حاولت تطويعه لشكل ثقافي مُعيَّن ، فكانت كمن أمسك العصا من المنتصف .. فلا هي قدمت صحافة حقيقية ، ولا برعت في التنفيس كما يجب أن يكون !

وعن نفسي أمتلك موقفاً محايداً – إلى حدًّ بعيد – اتجاه تلك الصحافة ، أحياناً أشعرُ أن الصحافة يجب أن تقوم بدورها بصرف النظر عن تردي المجتمع .. ولكن أفوق بعدها من تلك المثالية الزائدة لأجد أن الأمور كلها قد غدت أكثر وضوحاً من أن تكشفها الصحافة في ممارسة لدورها المفترض .. من لا يعلم أن الفساد سيتوغل ولن يُحاسب المخطئ .. وأن الرئيس سيستمر في منصبه – كما ذكرها صراحةً – مادام حياً .. وأنَّ التوريث سيتم بصرف النظر عن أي اعتراضات تبديها المعارضة .. وأن صعود التيار الإسلامي حدث لأنه يبدو الخيار الوحيد أمام الشعب هروباً من دوامة الحزب الوطني .. إلخ ، فحينما تكون الأمور واضحة بهذا الشكل دون قدرة على تغييرها .. فما الضرر من صحافة تذكرنا في الصباحِ والمساء أنَّ الحزب الوطني ابن **** وحسني مبارك ابن ستين **** ؟!

***

ولكن فلسفة اللعبة لم تستمر على هذا المنوالِ !

***

منذُ ثلاثة أيام بالظبط انتشر بسرعة خبر الحكم على أربعة من رؤساء تحرير صحف مستقلة بالحبس لمدة عامٍ ودفع غرامة ثلاثون ألف جنية بتهمة سب رموز الحزب الوطني !! - دعك الآن من كوميدية وعبثية الاتهام -

بدأ الكثيرين بعدها في الحديث عن مساحة الحرية التي قلت ! والبدءِ في حبس الصحفيين المُنتظَر ، إبراهيم عيسى قال : "جاء الحكم بحبسي مع أستاذي عادل حمودة والرفاق الأصدقاء عبد الحليم قنديل ووائل الإبراشي دليلاً ناصعاً على إن سنتنا سودة" ..

في الحقيقة لم أشعر كثيراً بالخوف على مساحة الحرية التي تتناقص ولا في لونِ سنتنا هل سيصبح أسوداً أم كُحليَّاً !
فالحقَّ في نظري أن الحرية ليست هبة ممنوحة .. ولا مساحة معينة يحددها النظام الحاكم تقل و تزيد حسبما يريد ، ولكنها غير مشروطة وغير تابعة لرغبة الأفراد ، وقانون عدم حبس الصحفيين إذا لم يكن دستوراً ومنهجاً واضحاً فلا معنى له طالما ارتبط "بوعد" أصدره فرد قادر على إلغاؤه أو عدم تنفيذه ! ، وقرار الحبس هذا لا يؤثر على حريتنا في شيء .. فهي غير موجودة من الأساس ، ما الفارق إذاً إذا جاء حبس عيسى ورفاقه اليوم أو بعد عام ؟! طالما هو منتظر ويمكن أن يأتي في أيَّ وقت !

لم يثرني الحكم في شيء .. ولم أشعر أنه يوم أسود في تاريخ الصحافة المصرية كما رأى الكثيرين
الذي أثارني حقاً هو سؤال دار بذهني منذُ سمعت الخبر : لماذا أخلَّت الحكومة بلعبة التنفيس ؟؟!

***

قُلتُ ذات مرة أن الشعوب يمكنها التعايش بسلام مع حكومات ديكتاتورية ونظرة بسيطة لأغلب أنظمة الحكم الثورية خلال عقدي الخمسينات والستينات يجعلنا نكتشف ذلك – بصرف النظر عن النتائج بعدها - ، ولكن العبث حقاً حينما نتعامل مع حكومات ديكتاتورية موصومة بالغباء ، أنتَ يمكنك أن تأخذ من الشعوب حريتها مقابل أن تعطيها "أمانها" .. أما أن تأخُذُ منها كل شيء حتى مساحتها للتنفيس !
وقتها أتخيل شكري مراد المحامي يكمل منولوجه الشهير قائلاً : "زمن بيتحبس فيه الصحفي من دول ولا من دول عشان بيبيع للناس شوية كلام ينفسوا فيه عن نفسهم .. وعايزني أكسبها ! .. ياخي !"