31 أكتوبر 2007

تارنتينو الذي لم يخرج بكاميراته لاهياً



بدا الأمر لي وأنا أشاهد آخر أفلام المجنون الأمريكي الكبير كوينتن تارنتينو "ضد الموت" أنني أشاهد شخص ما أراد تقليده .. نجح إلى حدًّ بعيد في أن يقلد .. ولكنه فشل في أن يبتكر ويفاجئ مثلما حدث في روائعه الخمس السابقة ..

من الصعب أن يتعامل المرء مع مخرج لم يمضِ على وجوده السينمائي أكثر من خمسة عشر عاماً باعتباره "أسطورة غير مكتملة" لن نستطيع التعامل معها بعد عدة عقود إلا على هذا الأساس ، ولكن الأمر يبدو أبسط مع تارنينو الذي خلق عدَّة أفلام وضعته في تلك المكانة المميزة – نقدياً وجماهيرياً - التي لا يضاهيه أحد فيها ، أفلام لم يميزها فقط تفوقها الفني والتقني ولكن الأهم هو تلك الروح التي تجمعهم .. روح خاصة بشغف صانع أفلام أصيل في أن يصنع شيء بقدر ما هو ممتع .. بقدر ما هو عميق .. بقدر ما هو مجنون ومبتكر ، وليسَ غريباً أن يبدو تارنتينو دائماً وكأنه فتى في العشرين يلهو بكاميرا حديثه أحضرها له والده ليصنع اقتباسات مميزة من أفلام سبق أن شاهدها .. حوارات لا هدف لها سوى كونها تحدث في الواقع فعلاً .. أحداث غريبة تحدث في أوقات أغرب لأن تلك – ببساطة – هي الحياة ، بشكل عام بدا تارنتينو ضليعاً وماهراً – بشكل لا يُضاهى – في فلسفة العبث .. أو منطق اللا منطق إن صح التعبير ..

لتلك الأسباب يبدو الاهتمام بكل مشروع جديد يدخله المجنون الأربعيني شيئاً طبيعياً ..
ومشروعه الجديد بدا في البداية كمساحة متسعة تسمح له بشيء طالما أحبه وهو "اللهو بالكاميرا" ، هذا المشروع هو اتفاق مع صديقه روبرت رودريجز في تقديم عمل يُسمى "جريندهاوس" عبارة عن فيلمين منفصلين مدموجين في فيلم واحد يقوما فيه بإحياء السينما التي شاهداها شباباً والتي ازدهرت في بداية السبعينات وأطلق عليها هذا الاسم .. سينما ضعيفة الإنتاج .. سيئة الإخراج .. متشابهة الأفكار .. تُشاهد في القاعات الرخيصة .. تعتمد بشكل أساسي على العنف والإثارة الجنسية دون أي منطق درامي ، ولكنها رغم ذلك شكَّلت جزءً من ذاكرة جيل كامل .. هو نفسه جيل هذين المخرجين ..




ولأن تارنتينو مبهور بكل ما له علاقة بالتجديد ومخالفة المألوف .. ولأننا كمحبين له أحببنا فيه ذلك .. انتظرنا عمله الجديد ، ضد الموت في نظري عمل جريندهاوس حقيقي .. مصنوع بشكل مُتقن حتى في جوانب رداءته – المقصودة تماماً - .. به روعة تصويرية وقدرة مميزة على صنع حوارات مثيرة تقوم أساساً على اللا شيء – حوارات عن طقطقة الظهر أو أشكال البرجر المختلفة أو الحيوانات القذرة أو حتى طبيعة المداعبة الجنسية التي تحدث بين مراهقة شابة وصديفها والتي تنهيها بطرده خارج المنزل ! - .. روح تانتينو موجودة في هذا العمل بالفعل – ربما أكثر حتى من كيل بيل - .. ولكن هناك مشكلة واحدة : أن تارنتينو لم يلهو بكاميراته هذه المرة قدرما قلَّد ثورته السينمائية التي حققها في منتصف التسعينات .. ولأن العبث إذا قُلَّد – حتى لو بإحكام – سيفقد خصوصيته .. لم أشعر بخصوصية تارنتينو هنا كما شعرتها في كافة أفلامه السابقة ..

في كافة أفلام تارنتينو السابقة هناك قصة بسيطة للغاية تدور حول الجريمة من زاوية أخرى غير التي اعتدنا عليها تقوم على أساس "لا منطق الجريمة" مع تركيز واضح على "منطق مرتكبيها" ، في أفلامه السابقة هناك "فلسفة" واضحة لكل مجرم فيما يفعله .. تبدو عبثية في أحيان كثيرة ولكنها تملك منطقها الخاص الذي لا تستطيع إلا أن تحترمه .. وفي المقابل هناك شغف بإظهار مدى لهو "الجريمة" وكأنها بطل مشارك في العمل "بلا منطقه الخاص" الذي يرفض تماماً منطق المجرمين ، إناس يموتون في أوقات غريبة وبشكل أغرب .. مخططات يتم كشفها .. فشل في تحقيق المهام المحددة سلفاً .. لأنه ببساطة لا يوجد في الجريمة أي منطق !

"ضد الموت" يمتلك بالفعل كل هذا ولكن دون العمق الذي امتلكته أفلام الرجل السابقة .. سواء إن كان هذا العمق على مستوى الصورة السينمائية أو حتى الأفكار الضاربة في اللهو ، هناك اكتفاء بجنون القصة وشغف إحياء سينما الجريندهاوس وإكسابها نكهة مميزة عن طريق حوارات تارنتونية النكهة ولكن دونَ اقتراب كافي من منطق المجرم – كذلك الذي يحمله جولز في بلب فيكشن مثلاً ! – .. أو حتى صنع ذلك بنكهة التجديد التي نراها في كيل بيل ، هناك مشاهد بدت وكأنها قص ولصق من أفلام الرجل السابقة – مشهد المطعم ومثيله في بداية كلاب المستودع .. مشهد السيارة ومثيله بنفس الزاوية التصويرية في بلب فيكشن .. بل ومشهد أبيض وأسود على نسق آخر في كيل بيل لم أفهم هدفه أو الداعي إليه ! – .. حتى الحوارات التي ميزته دائماً شعرتُ أنها لرجل يَدَّعي أنه تارنتينو ولكنه ليس هو بالفعل ، تارنتينو يُقلد تارنيتنو !

سيكون من الظلم اعتبار هذا العمل سيء بأي حال من الأحوال ، بالعكس هو عمل ممتع ومصنوع بشكل جيَّد للغاية مع تفوق معتاد من الرجل في أدواته السينمائية كافة ، ولكن لن يكون من الظلم أبداً – في نظري على الأقل – اعتباره أقل أفلام كوينتن تارنتينو .. سواء من ناحية الابتكار .. أو من ناحية العمق .. أو من ناحية الجودة ، فهو لم يخرج بكاميراته لاهياً هذه المرَّة كما اعتادَ دائماً ..

هناك 10 تعليقات:

Cognition-sense يقول...

شكراً على هذا المقال
كنت عايزة أعرف حاجات أكتر عن ترنتينو من الزاوية دي
والبوست دا كان بفايدة كبيرة ليا

محمد المصري يقول...

ده حاجة كده بسيطة عشان الأولاد :)

سعيد جداً إن البوست أفادك
وسعيد أكتر بزيارتك

نوَّرتي

sandrill يقول...

آدي شباب الدي في دي و التورنت ,, فين أيام ما كان الواحد بيسافر علشان يشوف الأفلام

ياريت يا محمد أي فيلم جديد و مهم تكون اتفرجت عليه بالطرق المتخلفة بتاعت اليومين دول تنقده بينك و بين نفسك حفاظاً على مشاعري

مش فاضل غير العيال يشوفوا أفلام تارانتينو قبلنا ,, زمن

محمد المصري يقول...

تؤ تؤ تؤ تؤ

الكبير كبير برضه

والعين عمرها ما تعلى عن الحاجب ياسي أحمد

نياه نياه نياه

HafSSa يقول...

عقلك التحليلي جبار يا افندم
نقد ميخرش المية
عارف ايه اكبر مشكلة بتحصلنا كمشاهدين و بتحصل للمخرج لكمبدع لعمل فني معين ؟
ان احنا بندخل حاطين في بالنا فكرة مسبقة عن الفلم او حاطين له معيار من قبل ما يبتدي
يمكن يبان كلامي غريب
و ممكن حد يقولي طيب ما هو طبعا لماادخل فلم حكون متوقع انه لازم يطلع في نفس مستوى اللي قبله اذا مكنش احسن كمان
و هي دي بالظبط المشكلة اللي بنقع فيها اغلبنا
لاننا بكده بنكون قتلنا عنصر الابهار في مخنا مسبقا و الشئ التاني ان احنا حرمنا نفسنا من متعة ترك المخرج يورينا افضل ما عنده
احنا دخلنا بحكم مسبق و ده من شانه يفقد اي عمل فني جزء كبير من بهجته و اثارته التي تعتمد على تخيل المجهول
و بالنسبة لي اسواء شئ ممكن يحصل لي ان صديق سخيف او غبي
مش حيفرقوا عن بعض يعني هو انه يشوف فلم و يقرر هو انه يديني طبيعة الشعور اللي لازم اشعرها بعد تمام المشاهدة
عارف لو حكى لي الفلم مش مشكلة
بس بكره اوي لو حد قالي "الفلم ده حيخليكي تموتي من الضحك " مثلا يعني
ساعتها هو قتل كل انواع التخيل و الترقب و يموت الفلم بداخلي

اسفه على الاطاله

تحياتي

محمد المصري يقول...

تبدو كلمة يا فندم لطيفة جداً من حضرتك :)

متفق معاكِ في أغلب اللي ذكرتيه .. خصوصاً في جزئية توجيه المشاهد أثناء المشاهدة ، يمكن عشان كده أنا شخصياً مش بقرا أي حاجة عن الفيلم أو أسمع عنه مناقشات قبل ما أشوفه ، ده مش بس بيديك حرية في عدم التقيد بشعور معين .. لكن كمان بيديك مساحة متسعة من اكتشاف جماليات ومكامن نقص العمل الفني دون تدخل مؤثرات أخرى قد تبدو مناسبة للمناقشة بعد تكوين رأيك الشخصي ..

النقطة اللي بختلف معاكِ شوية فيها هي تحديد ما ننتظره من العمل قبل مشاهدته ، بمعنى إن مخرج كبير زي تارنتينو بدخل لفيلم ليه فأنا منتظر فعلاً يكون على مستوى معين من الجودة من الصعب يقل عنها .. مش شرط يكون أفضل مما سبق ولكن يكون جيد في أقل الأحوال
وفي نفس الجانب .. الجينير السينمائي بيحدد لنا طبيعة العمل قبل دخوله .. كوميدياً كان أو درامياً أو غير ذلك ، بس الفكرة فعلاً بتكمن في تحديد النمط اللي المخرج هيقدم لنا بيه هذا ( الجينير ) .. ده بيفسد فعلاً وبيخليك تحاكم العمل السينمائي تبعاً لصورة متخيلة في مخك عنه .. مش حقيقته هو وده اللي بتفق معاكِ فيه إنه خطأ كبير بيفسد المشاهدة ..

لمست اللي إحنا بنتكلم فيه بشدة أثناء نقاش متسع دار بيني وبين أقلام مميزة منذ حوالي عام عن فيلم مارتن سكورسيزي الأخير ذا ديبارتد .. وكانت مشكلة أغلب معارضيه هي مشاهدتهم أصل العمل الأسيوي قبل مشاهدة النسخة السكورسيزية .. عشان كده انتظروا محاكاة للعمل الأسيوي بحذافيره ، هذا التوجيه أثناء المشاهدة منعهم من رؤية كل ما خلقه سكورسيزي من جمال ..
أنا وقتها كنت شفت برضه الأصل الأسيوي قبل مشاهدة عمل سكورسيزي ، بس لما ابتدا الفيلم رميت كل شيء ورا ضهري واتفرجت على عمل مستقل .. والنتيجة : رائعة سينمائية !

أسعدتني مشاركتك جداً

نوَّرتي :)

HafSSa يقول...

اتفق معاك ان احن الما نخش فلم لتارانتينو لازم بنكون متوقعين منه جودة مثل سابقتها لكن تقدر تقول ان الفترة الاخيرة شهدت ليا بعض احباطات مع نجوم ومخرجين كبار فنوعا ما بقيت ادخل و انا متوجسة متعة من رؤية الفلم
لكن طبعا معاك حق
نفسي اشوف فلم سكورزسيزي و اول مرة اعر فانه منقول عن فلم اسيوي
تحياتي يا فندم

أحمد يقول...

قبل كده قال أحد النقاد على "أقتل بيل" إنه أعظم "بي موفي"في تاريخ السينما أو بالعربي أعظم فيلم مقاولات في التاريخ .

و ناس كتير قالت إن "أقتل بيل" هو الجرايند هاوس فيلم الحقيقي بتاع تارانتينو ..و أقتل بيل كان فعلاً يملك كتير من مقومات الجرايند هاوس و هو تحية رائعة لأفلام الكونج فو و الساموراي و الويسترن سباجيتي و غيرها من أنواع الأفلام اللي طالما عشقها تارانتينو .
إنما مشكلة "ضد الموت" في رأيي إنه مخلص أوي للجرايند هاوس وتارانتينو ماإتدخلش كتير بأسلوبه جوه الفيلم ، هو مجرد بيقدم للجيل ده الجرايند هاوس كما لو كنت تشاهده في أحد سينمات تكساس القذرة في السبعينات .

ما بعتبرش التجربة ككل تاراتينية خاصة زي "أربع غرف" بالظبط ،أنا بأعتبر إن ملحمة الحرب العالمية التانية القادمة لتارانتبنو هتكون هي بحق فيلمه الخامس بعد كلاب المستودع، بولب فيكشن ،جاكي براون و أقتل بيل بجزئيه .
بس يا رب يعمله قبل 2010 و أنا متأكد إنه هيثبت إنه لا يزال أصيع مخرجي هذا العصر و على ما يعمله هأصبر نفسي بصديق تارانتينو و ثاني أعظم مخرجي هذا العصر إن لم يكن أعظمهم: بول توماس أندرسون و فيلمه اللي هينزل الشهر الجاي "There Will Be Blood " .

تحليل رائع يا محمد، سلام .

محمد المصري يقول...

أحمد

بتفق معاك في أغلب اللي ذكرته

فعلاً أنا شخصياً باعتبر إن اقتل بيل أعظم بي موفي في تاريخ السينما ، هل فيه ولاء - وإن كان غير مقصود - لهذه السينما أكثر من ذلك ؟؟
قصة انتقام تقليدية .. تجاوز إشكالية المشاعر المقعدة والتركيز على أبسطها لوضع الأمر في إطار من المتعة .. مذابح غير منطقية وأساليب انتقام وهروب وكر وفر غير معقولة .. معارك محببة وإشارات ذكية مليئة بالتقدير لسينما بروسلي والمانغا .. وأخرى لأكيرا كوراساوا والساموراي والإنيمشن الياباني !
قمة الجنون والعبقرية
هذا العمل أحد أعظم وأمتع ما شاهدت في حياتي من أفلامي ، وثاني أعظم أفلام تارنتينو بعد بلب فيكشن بالطبع

السؤال : هل كان يحتاج الرجل لفيلم جريند هاوس حتى يقدم بالفعل جريندهاوس ؟؟

حسبما شاهدت في ضد الموت .. لا

وإن كنت أختلف معك قليلاً في كون تارنتينو لم يحاول اصباغها بنكهته ، هو حاول ذلك في نظري - في الحوارات على الأقل - ولكنه فشل لأن تلك المتعة والتجديدية التي نجدها مع اقتل بيل .. والطزاجة والصدق والخفة التامة التي نجدها في بلب فيكشن .. ليست موجودة !

أنا أيضاً بانتظار عمله القادم ، وبانتظار أيضاً عمل أندرسون بشغف منذ عام تقريباً ! ليس فقط لكونه أندرسون .. ولكن لوجود عملاق آخر كدانيل داي لويس ، أتمنى فقط ألا يحبطني في عام كثرت فيه الاحباطات حتى الآن ..

تحياتي لحضرتك وأشكرك

mano يقول...

www.goonflash.com

the best flash games on out site