06 أغسطس 2014

العالم لا ينتهي في السادس من أغسطس


وَقتها، في 6 أغسطس 2012، كانت الساعة الحادية عَشر أو يزيد، وكُنت متيقناً من أن العالم حَتماً يَنتهي، أو يجب أن ينتهي، وأن وَقع ما يَحْدُث أكبر من أن تستمر الأمور من بعده ليومٍ واحد.

بعدها بشهرين، قررت أن أكتب بوست يوم السادس من أغسطس عن أن العالم لا ينتهي في السادس من أغسطس، أحكي فيه عن تجربةِ العام كلها، وكيف أن أسوأ وأصعب ما حَدَث لي في حياتي، وسيظل كذلك لوقتٍ طويل، هو في الحقيقة النُّقطة التي صرت بعدها شخصاً مُختلفاً، وأن الأشياء والكلمات المُجرَّدَة جداً التي جعلتها تؤانسني وقتها، من قبيل "انتصار الروح" أو "جبران الخاطر"، صار لها مَعنى حقيقي ومادي بعد عام.

كُنت أفكر حينها، حين لم ينتهِ العالم في 6 أغسطس وصار عليَّ الاستمرار، بأنني لا أريد أن أذكر كل هذا، أن أنساه تماماً، هذا القدر من الزَّعل والألم والهَشاشة وغَوصان القلب، هذا القدر من الغَدر والسوء و"المَحَبَّة المُهْدَرَة"، والاستيعاب –لاحقاً- أن الذكريات لا تُبارحنا كان قاسياً، فكان ما عليَّ هو مُبادلتها.

فكَّرت فيما "سيبقى لنا"، أن التجارب تحدث، الأشياء السيئة والجيدة، ولكن "المهم ليس ما يعيشه المرء، ولكن ما يتذكره"، وقررت التلاعب بذاكرتي بشأن الشكل الذي سأستبقي به كل ما حدث.

فكَّرت بأنني أريد أن أكون "شخصاً أفضل"، بمعانٍ مختلفة للكلمة، وأن أتذكر 6 أغسطس باعتباره اليوم الذي قررت فيه أن أكون شخصاً أفضل، وليس اليوم الذي تعرَّضت فيه للأذى الأكبر في حياتي القصيرة.

فكَّرت بأنني أريد أن أنقص من وزني 21 كيلو، بتأثرٍ رقمي بفيلم "21 جرام" الذي يفترض أن هذا هو حجم الرُّوح في الجسد، وقُلت بأن تلك الـ"21 كيلو" الناقصة.. ستكون مَوضع المَحبَّة المُهدرة.. الغضب.. الكراهية، كل الطاقات المثقلة التي أريد التخلص منها وضعتها في 21 كليوجرام فاسدة ستصبح عرقاً خلال العام.

 كان الله قاسياً جداً يوم 6 أغسطس، وكان رحيماً جداً بعدها، أندهش أحياناً من تراتبية الأمور، كيف أن هذا الأمر السيء كان من السهل ألا يحدث.. ولكنه حدث، وكيف أن كل ما جرى بعدها كان يُعينني على إدراكِ كون ما حدث، أسوأ ما حدث، كان يجب أن يحدث.

بدأت الفقرة السابقة أصلاً بغية الكتابة عن هبة، مُشكلة هذا البوست أنه جرى في عقلي لوقتٍ طَويل، ثم استسخفته لاحقاً بشدَّة، واستسخفت الشكل الملحمي الذي أردت كتابته به يوماً، أنا أريد أن أكتب عن الشيء الأهم الذي حدث في حياتي، عن التجربة، وما تبقى منها، وعن امتناني لله ولكل ما جرى، لا أريد شيئاً ملحمياً هنا فعلاً، تلك الفقرة على الأغلب  هي بداية حدوث ذلك.

لذلك فأنا أريد الكتابة عن هبة، ولا أرغب في التصريح بالكثير، أتذكر فقط كم كان وجودها مُهماً خلال ذلك الوقت الذي تلى أغسطس، كانت الخِصام وكانت الوصل والحَكم.. حرفياً، كيف أحببنا بعضنا للدرجة التي أعتقد فيها أحياناً أنها البنت الوحيدة التي أحببتها في حياتي، وكيف أذينا بعضنا للدرجة التي أعلم يقيناً أنها الشخص الوحيد الذي أذيته بهذا القدر، وكيف أن المسافة بين هذا الحب والأذى فيها الكثير من قسوة الدنيا، الحياة صعبة فعلاً، صعبة وقاسية ومُجْهِدَة، تلك أكثر جملة قلتها خلال العامين الأخيرين على الأغلب، حتى المحبة والود والنوايا الحسنة ليست كافية ألا يأذي الناس بعضهم بعنف، لدرجة مُدمية، وأنا آسف جداً على كل هذا، ولكنه جزء من التجربة.

ما أدركته مؤخراً، بيقين، هو الكيفية التي يختار لنا بها الله، وأنها أفضل مما نختاره لأنفسنا، وفي كل مرة أقول الفكرة لأحد.. أخبره بأن الكلام مُكرر وبضان ولكن ما أملكه فقط هو أنني سأثبته بتجربة شخصية قاسية للغاية، كُنت أجلس مع رانيا، في كافيتريا الجريدة، حين فكَّرت في ذلك لأول مرة، وكُنت أجلس مع نور في بَلكونة بَيتي حين أعدته: الله يختار لنا أفضل مما نختاره لأنفسنا، لأنني لو عُدت بالزمن إلى يوليو وأغسطس 2012، بمعرفة مستقبلية بكل ما يحدث، وبإدراك حتى أن حدوث الأسوأ سيكون النقطة التي تبدأ من عندها الأمور في التحسن لاحقاً، لو عُدت بكل هذا، لن أجعل الأمور –رغم ذلك- تسير بالشكل الذي سارت عليه، سأتخذ خياراتٍ أخرى، سأجنب نَفسي وهبة كل هذا القدر من القسوة والألم، سأتخذ الخيارات "الجيدة" بمقاييس لحظتها، لأنه سيصعب عليَّ جداً أن يتكرر ما حدث مرة جديدة، و"سأختار لنفسي" حياةً ليس فيها السادس من أغسطس بصورته في 2012 قطعاً، ولكننا لا نختار لأنفسنا، الله يختار لنا، وهو يختار لنا الأفضل بمقاييس بعيدة وطويلة الأمد، حتى لو عجزنا لحظتها عن إدراك سبب ما يحدث، فأنا كنت غاضباً منه جداً وقتها، أذكر الاستيقاظ في ظُلْمَة الليل، ظُلمة كاملة، في شهر أغسطس البعيد هذا، بكل هذا الثقل في قَلبي، وأنا أفكر في السبب الذي جعله يُقدر الأمور بهذا الشكل، وأن بعض "الحنية الإلهية" كان ليُجنبنا كل هذا، ثم سارت الأمور، ببطءٍ شديد ولكنه مُثير للتأمل، القسوة تجعلك "ترى" الأمور جيداً، بصورةٍ ما طبعاً كنت أعمى وصرت أرى، وأدركت أن ما حدث جعلني شخصاً أفضل، وجعل الحياة أفضل، حتى لو بأصعبِ الطُّرق وأقساها، حتى لو بندوبٍ لم تُبارحني رغم ما أكتبه الآن، ولذلك تحديداً إن عُدت للوراء لن أختار نفس الخيارات التي تجعلنا نسير في ذلك الطريق، ولذلك تحديداً "الله يختار لنا أفضل مما نختاره لأنفسنا".

قُلت لرانيا، وأنا أدرك هذا المعنى للآية للمرة الأولى، ثم لنور، وأنا أكرره مُتيقناً، بأن ذلك جوهر "واصبر لحكم ربَّك.. فإنك بأعيننا"، الله يعرف قَسوة الدروب التي يختارها لنا أحياناً، وفي ذلك المُفتتح المُتَمَهّل "يَطْلُب" هذا الصبر وحُسن الظن، هو يعرف كم أن 6 أغسطس صعباً، والمؤانسة في الآية منبعها تلك الجملة المخفية: "أنا أعرف، ولكن اصبر"، قبل أن يُكملها بالتعبير الأقرب والأحن والأكثر إنسانية في القرآن كله: "فإنك بأعيننا".

بعدها بشهرٍ و3 أيام، -أعرف ذلك جيداً لأنني كُنت أتحدث مع رانيا أثناء افتتاح مونديال البرازيل يوم 12 يونيو، وأقيم عيد ميلادي يوم 15 يوليو-، أحضرت لي نُهى هدية، ميدالية مَكتوبٌ عليها "واصبر لحكمِ ربك فإنك بأعيننا"، كانت شيئاً فاتناً وعزيزاً للغاية، لم أكن قد حَكَيْتُ لها عما وَصَلت إليه.. وبدت الإشارة من الله واضحة.

يبدو البوست في نهايته، وأنا مرتاح وهادئ، أكتب من بَلكونة البيت، الساعة 8 صباحاً، الجو مُشْمِس، ورُوحي مُشْمسة، الحياة ليست فيلماً، ليس من الضروري أن تسير الأمور بتتابع مُنتظم دائماً، أو تستمر اللحظة إلى الأبد، ولكنها الآن موجودة وحيَّة وحاضرة، وهذا جميل وحُلو.

بمناسبة أن "الحياة ليست فيلماً"، فلذلك تحديداً لم أكتب هذا البوست بهذا العنوان في العام الماضي 2013، لأنني أدركت قُرب نهاية السنة، سَنَتِي الشخصية التي بدأت في 6 أغسطس، أن الأمور لم تنتهِ بعد، ولم أتخلَّص بشكل كامل من رواسِبها، وارتكبتُ في أغسطس 2013 أسوأ ما فعلته في حياتي، وآسف فعلاً عليه، ولذلك لم أكتب بوست يُفيد بأن "العالم لا ينتهي في السادس من أغسطس"، وظننت أنه فات الوقت على كتابته وانتهينا، وحينها كُنت غاضباً من أن الحياة ليست فيلماً، وأن اللحظة "الملحمية" "باظِت" في الأمتار الأخيرة، وأنني فقدت 16 كيلو من وزني وبقت 5 كيلوهات فاسدة كَسَّلتُ عنهم، بالمعنيين المادي والرَّمزي، ولكن لأنه، أيضاً وبالتفافٍ مُعاكس، "ليس من الضروري أن تسير الأمور بتتابع مُنتظم"، فقد جرت أمور مُشابهة لوقتِ 2012 في 2014، فبدا لكلِ شيء معنى، لأنني صرت شخصاً مُختلفاً، أفضل وأكبر، صرت "أرى"، فسارت الأمور بشكلٍ أطيب وأهدأ، وأرحم، حتى لو لم يخل من الألم، وحين بدأ أغسطس الجديد، الذي كُنت أحمل هَمُّه بمنطق أن أسوأ وقتين في حياتي كانوا في أغسطس من العامين الماضيين، كانت فَرَح تُخبرني بأنني يَجب أن أصنع منه أياماً للذكرى، وعشت، حتى الآن، 5 أيام هادئة جداً.. وطيّبة جداً، وفي صباحِ اليوم السادس كَتبتُ هذا البوست.

جملة الإمام القُشيري لا تُفارقني هذا العام: "وَيُقال، أن العِبرة لا تُؤخذ من الحَقِ في الحال، وإنما الاعتبار بما يَظْهَر من حُسْنِ تَقديره في المآل"، أفلا "رب تشويش يسود العالم.. والمقصود به سكونٌ واحد؟"

حين فكَّرت في هذا البوست كثيراً، طوال 2013، كنت أريد أن أختمه بأن "العالم لا ينتهي في السادس من أغسطس، بل يبدأ"، وكانت جُملة مَلحمية تليق بالشكل الملحمي الساذج الذي ظللت أرى البوست به لوقتٍ طويل، هي غير مُناسبة الآن، هذا بوست عن تجربة صَعبة وعادية، ولكنني مُمتن لله عليها، ليس بالضرورة أن ندوبها انتهت، وليس من المفترض أصلاً أن تنتهي، لأن الحياة ليست فيلماً، ولكننا نُحاول، نحنُ أشخاص غلابة جداً نحاول، وربنا بيسترها مَعنا، أو يُعَلّمنا بالطريقة الصعبة، فقط لا غير. 

30 أبريل 2014

يعني شهيد.. مَخْلِصْش



عمرو عزت كان كتب مرَّة إن انهزام الثورة مُقترن إن كلام عاطفي وحَماسي زي «الثورة مُستمرة» يتحول مع الوقت لشيء شديد السُّخف، بيُسْتَخدم للتهريج والتريقة، مش حاجة بتعبَّر عن شعور الناس، وإن وقتها هيبقى فيه هَزيمة حقيقية، وده مش كلام عَمرو بشكل دَقيق قد ما هو الصورة اللي بقى فيها بذاكرتي

كل حين وآخر بفتكر الثورة، بالكثير من الأسى والحَنين، اللي يعرفني يعرف إن الصورة اللي بشوف عليها الأمور غالباً إننا مش هنخلص، وإن اللي حصل في مصر في 28 يناير هيغيَّر كل شيء للأبد مهما بدا عَكس كده، فيه أجيال جديدة بتطلع بمبادئ ومنطلقات أخلاقيَّة مُختلفة، بحب لحظة نوفمبر اللي فات لما (مسيرتنا)، 5000 واحد مشيوا بين شوارع وسط البلد والكورنيش وصولاً لجاردن سيتي ومجلس الوزرا، وهما بيقولوا «شمال يمين كُسُّمَك يا إبراهيم» أو «كُس أم السيسي على مُرسي»، كانت لَحظة مُدْهِشَة عن البقاء

بس في النهاية الأمور صَعبة فعلاً، وأصعب ما فيها هو مساحة حركتنا الضيَّقَة

ورغم كده بيحصل تفاصيل كل حين وآخر بتملَأ قلبي بالأمل والحُسْن، وبتفكرني بالآية المُفضَّلة «حتى إذا استيأس الرُّسل وظنوا أنهم قد كُذبوا جاءهم نصرنا»، عشان نُؤانس إن حتى الرُّسل بتفقد الأمل وترى الدُّنيا من وراء غِمَامة، رغم وجودهم في أقرب نُقطة من ربنا، وبعدها بيأتي نَصره غير المُنتظر

من كام يوم عُمر جابر لاعب الزمالك جاب جون لفرقته في ماتش القناة، قَلَع الفانلة، عشان يظهر من تحته تي-شيرت للشهيد عَمرو حسين، اللي اسْتُشْهِد برصاص الداخلية قُصاد ناديه من 7 شهور وهو مكمّلش 17 سنة، عُمر بعد الماتش قال إنه قَلَع التي-شيرت عشان وَعَد أبو الشهيد إنه هيقلعه أول ما يجيب جون ويبقى لابس تحته صورة عَمرو





كانت تفصيلة كبيرة بالنسبة لي يومها، شفت الفيديو مرَّات كتير، وبفتكر جملة من أغنية ألتراس الزمالك لعمرو: "ناسي إن الولاد عاشوا معاه أحلى سنينه"

دلوقتي حالاً، وأنا بقلّب في حاجات ليها علاقة بالشغل، وصلت لتويتة كاتبها عمرو حسين: "هو أنتوا فيكوا راجل غير عُمر جابر!"





لمدَّة ثانيتين بعد ما شُفت التويتة، ثانيتين بالظَّبط، اتربّيت بإنه "إيه ده هو إزاي مَوجود؟"، وبعدها، ولمدة نُص دقيقة، عَقلي رَجع الموضوع لأقرب شيء بَشري عن إن فيه حد من أهله أو أصحابه بيكتب من الأكاونت بتاعه، قبل ما آخد بالي من التاريخ، وإنه قبل 8 أيام من استشهاده، وإن ده كله تقدير ربنا بالكامل**

عيني دَمَّعت جداً، جداً، والصورة العقلية اللي بدأت بيها كلام في البوست كانت عشان أوصل لشيء شديد العاطفة زي إن التفاصيل دي هي اللي بتحسسني إن الأمور باقية، إشارات عابرة من ربنا عن نَصر مَمْدُود الأجل، وثورة هي الشيء الأجمل في حيواتنا مَهما جَرى بعد ذلك

«كأن روحاً لم تُفارق هُنا» يا عمرو، كُن بخير أينما حَلَّت رُوحَك


*العنوان من قصيدة "الساقية" لأمين حدَّاد
** الجُزء ده مُضاف للتَّدوينة بعد ما نِمت وصحيت وبقى عندي قُدرة أوصَّف بشكل مُحدد اللي حسيت بيه

18 أبريل 2014

الكُتُب التي تحمل الزَّمَن.. (2013)


في نُص السنة اللي فاتت تقريباً.. كُنت مقرّر إن أول ما السنة تخلص هَكتب بوست عن أقرب الكُتب اللي قريتها فيها ليَّ.

مَكُنتش مَعني بالكُتب أوي، بقدر ما مَعني بالتأريخ، السنة اللي فاتت هي أكتر سنة فكَّرت فيها في "الزَّمَن"، وبقى عندي محاولات مُتناثرة في الإمساك بيه، والتَّحَكُّم فيما سيذهب أو يبقى، وبوسائل مُختلفة يطول شَرحها.

واحدة من الوسائل دي كانت الكُتُب، وأكاونت "جود ريدز" اللي كانت أول مرة أستخدمه، طريقة الكتابة عن الكُتُب كتدوين عن أيام قراءتها.

النظرية عندي إن الكُتب، على عَكس الأفلام، بتشيل زَمَن، مش بالضرورة هتفتكر الوقت اللي شُفت فيه الفيلم الفُلاني، وباستثناءات نادرة فالـ"وقت" مش هيتدخل في محبّتك للفيلم من عدمها، هُمّا "ساعتين زَمَن"، حرفياً، لكن الكُتب مش كده، هي بتشيل وَقت، أيام وأسابيع، وأحياناً إيقاع الحياة كاملةً بيتشكّل مع أوقات القراية، للسبب ده الكُتب صالحة جداً لحِمْل الزّمن، المُعبَّر المادي المُباشر بالنسبة لي عن ده إننا مُمكن نِشَخْبَط أو نِدَوّن هوامش عَ الكُتب، بس ده مش مُحْتَمَل مع أي وَسيط تاني انتَ فيه الطَّرَف المُتَلَقّي.

المُهم إن بعد السنة ما خِلصت مكنش عندي نفس القدر من الحماس اتجاه كتابة البوست، مفيش سبب مُعيّن، جَذْوَة مُنْطَفِئَة مش أكتر، بس حَصَل 3 حاجات في الأيام اللي فاتوا خلُّوا الموضوع قُريّب، وخلُّوني، حالاً، الساعة 12:44 صباحاً، أفكر إن ليه مش دلوقتي؟

الـ3 حاجات كانوا لما ذَكرت في البوست اللي فات كلام عن البوست ده، فيه أسطورة شخصية جداً عمري ما قلتها لحد.. وهي إني غالباً لما بَدوَّن مُلاحظة ما عن شيء هَكْتِبه.. فَبَكْتِبُه، وبحب إن الأسطورة بتمشي بتلقائية، أنا مبتحرَّكش ناحيتها، بس الحاجات بتحصل.

الحاجة التانية لما من كام يوم رَضْوَى بعتت لي رسالة عنوانها "قَلْبَك.. سنابل قمح متَّاكلة"، الجُملة الافتتاحية للريفيو بتاعي على جود ريدز لديوان بهاء جاهين "الفلاح الفصيح"، اللي بتحمل كل ما يمكن قوله عن فترة قرايته، عن صباح هادئ بيحمل كُل الأسى في أماكنه، والجملة كأدق تعبير مُحْتَمَل عن المحبَّة المُنْهَكَة، والصورة اللي كُنت بشوف نَفسي بيها في مارس البعيد هذا، لما رضوى بعتت لي دخلت قَريت حاجات قديمة من اللي كُنت كاتبها على مَدى سَنة، وكان فيه اختبار غير مقصود لنظرية الكُتب التي تَحْمل الزّمن –بفكَّر إني أسمّي البوست كده، لما أخلَّص هَقرّر!- .

الحاجة التالتة لما نُهى قالت لي من كام يوم إنها اشترت رواية "الغابة النرويجيَّة"، الرواية اللي عارف من سنة مثلاً إنها أكتر عمل أدبي أحببته في حياتي، وإني لما أكتب بوست الكُتُب هَقول إنها روايتي المُفضَّلَة، قعدت اتكلمت شوية عن الدوائر اللي اكْتَمَلَت بالرواية، وعن وقت قراءتها اللي مش هَيُنْسَى، وعن اللحظة المُقدَّسَة اللي كَتَبت فيها لـ"واتانابي"، وأنا في نُص الرواية، إنه لازم يَترك الماضي وراءه ويَلْتَفِت لـ"ميدوري" الأعز، وشخصية في آخر الرواية قالت له نفس الكلام نَصاً.

البوست ده تأريخ شخصي بتون مُختلف للسنة اللي فاتت في حياتي، مش عن الكُتُب بالضرورة، والتَّرقيم مش دقيق ولا بيعني حاجة صارِمَة قد ما هو مُحاولة لغَربَلَة الزَّمَن:


12- بيت الدُّمية.. هنريك إبسن (سبتمبر 2013): لسببٍ ما آخر حاجة موثَّقها على "جود ريدز" كانت المسرحية دي، ولسه مستشهد بيها من وقت قريّب، أظن من مخاوفي الكبيرة في الدُّنيا إن البني آدمين في أوقات الاختبارات الصَّعبة يبقوا صورة مُختلفة لما ظَنُّوه عن أنفسهم، ما يُمكن أن يُعرف بالـ"خذلان"، صورة عميقة جداً من خُذلان الناس لذواتهم قبل ما يكون لبعض، المسرحية كانت مُهمّة بالنسبة لي في ده تحديداً.

11- يونس في أحشاء الحوت.. ياسر عبداللطيف (أبريل 2013): كُنت في العربيَّة، رايح الوقفة الأولى لحسن مُصطفى في المنشيَّة، قريت الكتاب في السكة، الذكرى هنا مش هتنفصل عن قيمة الكتاب ككل، من قريّب ماجد كان اشتراه وكُنت بقلّب فيه، وقريت قصة "الرُّسُل" مرة تانية، كان تأكيد لمكانة الكتاب عندي وإنه من أجمل المجموعات القصصية اللي قريتها من زَمَن طويل.


10- الأعمال الكاملة لمُريد بَرغوثي (أغسطس 2013): كُنا في سانت كاترين، فوق إحدى الوديان، قُرب الفَجر، كان معايا الدّيوان اللي اشتريته قبلها بوقت قليل، عَلْيَاء اقترحت نِلعب لِعبة الصَّفحات العشوائية، كل واحد يختار رقم ويفتح الصفحة يقرا اللي طِلع له، "يا مُريد.. اعطنا شيء يُسْعِد هذا الجمع"، وما جَرَى بعد ذلك يَخُص أصحابه فمش عايز أستفيض في وَصفه، بس كانت لحظات مُقدَّسَة ومُكتملة جداً.
بعدها، مفتحتش الديوان مرَّة تانية، ومَظُنش إني بحب أصلاً شِعر مُريد أوي، بس بفكَّر إن الكتاب شَال اللحظة دي خلاص، وإن ده كان كافي.


9- العُنف والسخرية.. ألبير قصيري (أبريل 2013): لولا الثورة، واختبارها للنظريات اللي كتبها قُصيري في الستينات، مَكُنتش هقدر الرواية دي بهذا القدر.


8- المانفيستو.. مصطفى إبراهيم (مايو 2013): «شيَّع صُحابك من معركة بالليل
/والصُّبح.. فرَّج دمُّهم للخلق/ولأتوبيسات الناس.. الرايحة للأشغال/زعَّق بصوت رايح.. وبحشرجة في الحَلق/واسْكُت.. عشان مبقاش.. فاضل كلام يتقال». المَقْطَع ده هو (كُل) حاجة بالنسبة لي.

7- 1984.. جورج أورويل (أغسطس 2013): غالباً لو مَكُنتش أعدت قراية الرواية في أيام مُنْحَطَّة جداً زي اللي قريتها فيها مكنتش هتبقى لها نَفس القيمة.
كان بعد المَذبحة بوقت قليل جداً، وكنت بَمر بمرحلة عدم اتزان تامَة، لدرجة إني مش قادر أكون لوحدي، وده كان شيء أول مرة يحصل في حياتي، رُحت قعدت مع رَجَب ومُصطفى عشر أيام تقريباً، لقيت الكتاب موجود هِناك، وكُنت قريته مرة من ست سنين مثلاً، ودي كانت المرَّة التانية، بدا كإني براقب انهيار المَدينة جوَّا الرواية، وكل شيء بيحمِل مَعنى أعْمَق بكتير في ظل الجنون اللي بيحصل برَّة، كانت أيام مؤذية وحَزينة جداً.



6- رأيتُ رام الله.. مُريد البرغوثي (يوليو 2013): 

 
"انتظرت رضوى عودتي إلى بيتنا سبعة عشر عاماً، وعندما عُدت.. عُدت ومعي الأعوام السبعة عشر كلها، ومعها الأعوام السبعة عشر كلها"

كُنت بفكَّر دلوقتي، لمّا بصيت عَ الريفيو اللي كُنت كاتبه على "جودريدز" إن الكتاب ده يُشبه الفكرة العامة بتاعة البوست، التعامُل مع الزَّمن، كُنت بَصِف وقتها إن "
مُريد بيتسغرق تماماً في الذكريات، بيسيب نَفسه ليها، في آخر الكتاب هو بيقول إنه مش عارف حَكَى إيه ومَحَكاش إيه، وده حقيقي، ميبدوش إن الكتاب مُخطط مُسبقاً، دي كتابة واحد قارب عَ السّتين بيشوف حياته كلها في رحلة عدَّة أيام، يفتكر اللي يفتكره وينسى اللي ينساه" عشان كِده الكتاب ده زَمَن مش مَكان، وعشان كده هو الكتاب اللي لما خلصته كنت بفكَّر في قد إيه الكُتُب العَظيمة بتشيل ذكرياتك أثناء قراءتها
كانت القراءة التالتة، "
قريته ببطءٍ ساحر. بطء عزيز. أثناء الأيام الصَّعبة، بدأت أقراه يوم 3 يوليو مع عَزل مُرسي، الخبر اللي سمعته بالصدفة وأنا مِعَدّي من اعتصام الإسلاميين في رابعة عشان رايح لشريف وفضل، كنت بفكَّر إن بدقني الشَّعثاء والسَّبحة المَلفوفة على إيدي اليمين ورواية تحمل اسم "رام الله" في إيدي.. لو الجيش اقتحم مثلاً ومُت هِنا محدّش هَيْشُك لحظة إني معاهم"
بعدها، تحدُث عَرْكَة أهليَّة فأقرأ صفحتين أو ثلاث، نَتَصَبَّح بمجزرة فيمر اليوم دون قراءة حَرف واحد، بس مُجْمَلاً كان الكتاب رَفيق مُهم للأيام، حتى في الكلام عن الضَّجَر من الوطن، وملازَمَة الثورة بالانتفاضة الفلسطينية في مُخَيّلتي، ده معنى المُفتتح في البوست ده.. الكتب العظيمة كده.. بتبقى مَوصولة دايماً بلحظة قرايتها، بتخلق لنفسها وجود وقيمة ومعنى مُختلف في "زمن القراية" نفسه


5- وردية ليل.. إبراهيم أصلان (يوليو 2013): 


- رَحَمَ الله أمنا «رأفة»/ماتت/وضاعَت المَكْحَلَة/ولم يعد باقياً إلا القليل/وظَلَّ المَثلُ ثائِراً/كلما ضاقَت أو ثَقُلَت الأحزان: «جبال الكُحْل.. تفنيها المراوِد»

- في أكتوبر 2011 أعدت قراءة أدب إبراهيم أصلان مرة تانية، مَر عليَّ بالأيام الأصعب/الأجمل على المستوى العام والشخصي، في محمد محمود ومجلس الوزرا، إسكندرية آخر السَّنَة، وهبة في أول السنة الجديدة، ويوم 7 يناير 2012 شريف بعت لي رسالة موبايل مُقتضبة من 3 كلمات وعلامة تَعَجُّب «إبراهيم أصلان مات!»
- وقتها، كُنت مأخوذ بكل تفصيلة صغيَّرة في كتابته، نوعية الحكايات اللي بيحكيها، التفاصيل اللي بيلتقطها، التقطيعات والفصلات وطريقة استخدامها، كرجلٍ عَجوزٍ يأخذ نَفسه في نُص الكلام قبل ما يُكمّل ما يَحْكِيه، ورغم إني مقرتش ليه في 2012 كلها إلا رواية «عصافير النيل» في نوفمبر، وأثناء اشتباكات محمد محمود التانية، بس كان بيزداد عندي يقين كده إن ده أقرب كاتب مَصري ليَّ على الإطلاق، وأكتر واحد أثَّر فيَّ كذلك
- يوم ما قريت المُتتالية دي، يوم 19 يوليو، كُنت عَيَّان، وفي بيت أهلي، بَبُص عَ الكتب في الدُّرج القديم بتاعي، وطلَّعت «ورديّة ليل»، اللي كنت قريتها من كذا سنة، ومقريتهاش في طَلعة 2011 الأهم في علاقتي بالراجل، كنت ناسيها تماماً، وبدأت بـالـ«فاتحة» العَظيمة، وفي 100 صفحة تقريباً.. كل حاجة أحببتها في أدب الراجل كانت موجودة هِنا
- بفكَّر دايماً إني لو هتناقش مع حد فليه المتتالية دي «عمل أدبي عظيم» بالنسبة لي مش هعرف أصِف أوي، الموضوع ليه علاقة بـ«الحِسّ»، مش الحِس بمعنى الشعور، لأ الحِسّ اللي هو الصوت، حكايات إبراهيم أصلان دايماً مُرتبطة في بالي بـ«حِسّ» ونَفَس مُتقطّع وشعور إجهاد بيُغالِب نَفسه عشان يكمّل
- المُتتالية الصغيرة كُتِبَت في ستّ سنوات طوال، عشان كانت بتكْتَمِل، فعلاً، بأنفاسِ الخلائق
- أكثر ما تبقى؟: «وفي الطريق، كان سُليمان يكتفي بالنظراتِ العابرة، لأنه لم يَكُن يُحِبّ إلا هذه الأشياء التي كانت نادراً تُصادفه دون تقليب، والتي كان يعرف، على نحوٍ ما، أنه سوف يلقاها، فيلقاها، ويتجه إليها، ويشتريها، لأن السنوات الطويلة التي جرّب فيها علّمته أنه لو عانَدَ نفسه ولم يأخذها، فإنه سوف يأتي يوم الجمعة التالية إلى السوق باحثاً عنها وهو يعرف أنه لن يجدها، فلا يجدها، حينئذٍ يحسّ بالخسارة، ويظل طول الوقت يذكرها، ولا يعرف كيف ينساها».


4- كافكا على الشاطئ.. هاروكي موراكامي (آواخر أبريل 2013): 


هنروح ونقول لمين طيّب؟ :)
فيه سبب إن أدب "موراكامي" يكون قريّب منّي للدرجة دي في الوقت اللي قريته فيه تحديداً، بعد أغسطس 2012 كُنت بفكَّر كتير جداً في الزَّمَن، في الذكريات، و"ما يتبقَّى" منها، في الصورة اللي هيكون عليها البني آدمين بعد تجارب عَنيفة في حيواتهم، أظن إن ده تحديداً هو اللي بيحرَّك أدب الراجل، كُل ما قرأته منّه عَ الأقل.
الرواية دي، والكتاب اللاحق، هما تجارب القراءة الأهم في السنة، ده القَصد بالإيقاعات اللي بتتشكّل مع الاستغراق، الطريقة المُثْلَى اللي مُمكن أفتكر بيها أبريل اللي فات هي أوقات صَباحيَّة في البلكونة بَقرا فيها الرواية، وكل فَترة والتانية أنظر للقُطَط اللي في البيت ويبقى عندي يقين بنسبة 50% إني لو كلّمتهم دلوقتي هيفْهَمُوا. عَمَل مُدْهِش جداً، مفيش تَوصيف بالنسبة لي أدق من "الدَّهْشَة".


3- كرة القدم بين الشمس والظّل.. إدواردو جاليانو (بين يونيو-أغسطس 2013):  

تلات شهور في الكِتاب، مَكنش بس عشان بقراه "بي دي إف"، لكن الأهم كان مُحاولة تتبُّع كل التفاصيل والفيديوهات والأشخاص اللي هو بيتكلم عنهم أثناء القراية.
كُنت بدأت في قرايته قبل 30-6، وتابعت، على مدار الشهور التلاتة، العالم، عالمه جوا الكتاب، وعالمي برَّاه، وهو بيفقد أي بوصلة أخلاقية، بيسْقُط قيمياً وبينهار تماماً، وده كان ليه أثر مُهم في قيمة الكتاب بالنسبة لي.
كان من المُلْفِت إن في الصيف ده حَصلت أغلى صفقة في تاريخ الكورة، في مُقابل تَفتيت لاعب زي "نيمار" وتحويله لأسهم مُباعة بين أطراف مُتعدّدة، كان المُلْفِت إن "زَمَن" القراية اقترن بالوقت الأكثر انحطاطاً فيما عَايشته في حياتي، وتون الكتاب، والأسى المُدْهِش اللي كُتِب بيه، كان بيعْكَس كُل ده جداً.

«وكان لدى الرَّب وقتاً ليهتم بشؤون كرة القدم»، من أجمل الكُتُب اللي قريتها في حياتي طَبعاً



2- قواعد العشق الأربعون.. إليف شافاق (نوفمبر 2013): 

 
- في يناير 2013، كتبت بوست، كجزء من رسالة لشخصٍ عَزيز، ما تبقَّى منه كان جملتين صاحبوني بقيَّة السنة: «الله لا يقف بعدادِ سيئات يَحْسِب به الوارد من عباده، الله يَنظر للقلوبِ والأرواح»، و
«الله لا يُبارح الطُّرق يا فاطِمَة، حتى المُعْتِم منها»، في نوفمبر 2013 قريت الرواية دي.. كانت بتقول «إن إلهي ليس بقالاً ولا مُحاسباً»، «اسمه الواسِع فكيف يَضيق بنا؟»، وهَكذا، في أكثرِ من موضع، ألاقي حاجات كتبتها في وقت موجودة هِنا بصيغ شبة مُتطابقة.
- في بداية الرواية كنت بمارس قدر لا بأس بيه من الحياد العاطفي، بَقول إن فيها مَشاكل في البُنا، الحوار مش قد كده أحياناً، إن فيها قدر من الرُّومانسية أكبر من عقلانيتي حالياً في التعامل مع العالم، مع الوَقت صِرت مُتَيَّمَا، مش عشان أي حاجة من دول راحِت، بس عشان الأثر هو المُهم مش التفاصيل!
هَشرح، من أكتر الحاجات اللي بفكَّر فيها باستمرار برضه هو إيه المُهم بحق وحقيق، إيه الجَوهر بتاع كل حاجة، الفكرة الصوفيَّة دي عن الغاية، بس بمدَّها على كُل شيء، المُهم مش الصلاة أو العبادة قد ما مِعرفة الله واستبقاءه، المُهم مش إن التَّصوير يبقى مَظبوط والمونتاج مفيهوش هَنَّات وكل شيء مُكتمل.. قد ما إن الفيلم يحقق الأثر اللي بيتحرّك ناحيته، مش مُهم تِفهم الشّعر أو وزنه وقافيته يكونوا مظبوطين قد ما مُهم إنه يَقترن بذكرياتك ويمسّك بشكل عَميق، مش مُهم المدينة تبقى مثالية قد ما تبقى حاسس بالانتماء ليها، فيه «وسائل»، كلها مش مُهمة، وفيه «غاية» هي الشيء الحقيقي المُرَاد وبيسْقُط كل شيء تاني لو تحقَّق.
- مش عارف قد إيه شَرَحت بشكل جيد، غالباً لو قدَّامي هعرف أشرحلك أحسن، بس المُهم إنه مع الوقت الرواية بقت كده بالظبط، كل عوامل الاستنقاص بقت حاجات مش مُهمَّة، في مُقابل التجربة والأثر اللي سابته فيَّ.
- أول ما عرفت سُهَى، في أكتوبر 2012، سألتني "لو انتَ رواية هتكون رواية إيه؟" مكنتش عارف أتفاعل مع السؤال بشكل جيّد، وبالتالي مَكنش عندي إجابة خالص، في نوفمبر اللي فات.. مَكُنتش بَفتعل إني ألاقي انعكاس نفسي جوا الرواية عشان فيه كلام قُلته قبل ما أقراها بوقت طويل ولقيته هناك، "وأمَّا في ذلِكَ اليومِ فسَنَرى وَجهًا لِوَجهٍ"، فكانت الإجابة واضحة

1- الغابة النرويجية (أوائل أبريل 2013)



12 أبريل 2014

وأمل


أوقات كتير، في الفترات الأخيرة تحديداً، بيحصل إن يبقى في بالي إني عايز أكتب عن حاجة مُعيَّنَة، وأفضل أأجل لحد ما الجذوة بتاعة اللحظة تروح، أنا شَخص كَسول جداً، والقدر اللي بَنجزه بالنسبة للي بفكَّر فيه قدر ضئيل فعلاً

من 4 أيام كُنت عايز أكتب بوست عن "بروسيا دورتموند" بعد ما خرج من دوري أبطال أوروبا، كنت عايز أربط البوست ببوست السنة اللي فاتت اللي قلت فيه إن ماتش النهائي قدَّام بايرن ميونيخ كان من أكتر المرَّات اللي أتحمَّس فيها تشجيعاً خلال السيزون، وإنه كان مساحة مُتسعة للآمال العَظيمة، وشيء مثالي للتذكُّر رغم الهزيمة

بعد ليلة مايو اللي فات دي قرَّرت إني هَشجَّع "دورتموند" في الموسم الجديد، أتفرَّج على فيديوهات قديمة للفرقة، أقرا كل المُتاح عنهم، الفريق ده مثالي فعلاً لفكرتي عن الكورة، من أجمل الكُتب اللي قريتها السنة اللي فاتت كان كتاب اسمه "كرة القدم بين الشمس والظل"، وبالمناسبة أنا بقالي 4 شهور عايز أكتب بوست عن الكتب اللي قريتها السنة اللي فاتت وارتبطت بذكريات بس زي ما قلت فوق اللي بنجزه بالنسبة للي بفكر فيه دايماً ضئيل، بس المهم إن "إدواردو جاليانو"، مؤلف الكتاب، كان بيقول بشكل عابر إن "كرة القدم هي الوطن"، تقريباً في سياق حكاية عن مُنتخب أورجواي، صاحب أجمل حكايات الكتاب نظراً لجنسية مؤلفه، وكان بيحكي بشاعرية مُفرطة عن إنه في العشرينات كان الفريق مكون من عُمَّال وأصحاب الحرف الصغيرة، وإن "فلان الفلاني" عمره ما عرف يعني إيه "وَطَن"، بس لما وقف في المَلعب في روسيا عشان يلعب مباراة وديَّة، وكان علم أورجواي بيرتفع، بشمسه الذهبية المُميزة، حس برعْشَة بتسري في أوصاله، وأدرك إن ده ربما هو الشعور بالوطن

كُنت بَقول بقى إن "دورتموند" بالنسبة لي بيحقق الجملة، "كرة القدم هي الوطن"، فيه موضوع هَكتبه يوماً ما اسمه "مُعجزة المُدرج الجنوبي"، عن الصورة اللي استطاع بيها الجمهور والمُشجّعين (بس) إنهم يبقوا النادي حيَّاً، يرفضوا بيعه أو دخوله في أمور استثمارية، رفع كلفة التذاكر، التبرُّعات، الكثافة الحضورية الأعلى في العالم، الحناجر التي لا تتوقف عن الصراخ لعشر سنوات أو يزيد، والنهاية الإعجازية من الإفلاس في 2002 لتاني أفضل نادي في أوروبا السنة اللي فاتت، كرة القدم هي الوَطَن كمان عشان المَلحمة، عشان الماتش هو رقعة حرب صَغيرة، في ماتش مالاجا السنة اللي فاتت يورجان كلوب قال للعّيبه بين الشوطين "الآن يتوجب علينا الخيار، إما أن نعيش معاً كفريق، أو نموت كأفراد"، بحب الجملة جداً، تليق فقط بالمعارك والحروب وماتشات الكورة، وبيبقى لها مَعنى بس لما الفريق بيجيب جونين في آخر 4 دقايق، يَعيشوا مَعاً كفريق، وتظل سيرتهم باقية

مَفوّتش ماتش لدورتموند السيزون ده تقريباً، وبعد البداية المثالية كل شيء بعدها كان مُعاكس، بَفتكر الخسارة 2-0 قصاد مونشنجلادباخ باعتبارها أول لَحظة تَهتز الصورة، وانفراد العِلق مُختاريان قصاد بايرن ميونيخ لما كنا خسرانين 0-1 باعتبارها اللحظة اللي بدا فيها تماماً أن الأمور لن تسير بخير، ثم توالي الإصابات، 4 إصابات طويلة الأمد لعناصر الفرقة الأساسية، وإصابات متتالية للاعبين آخرين، كان موسم صَعب جداً، والهزيمة من ريال مدريد 3-0 في ذهاب أسبانيا كان أمر حَزين مُتوقَّع

لما قعدت أتفرَّج على ماتش العودة، بدا الأمر في البداية "بلا يأس ولا أمل"، بس بعدها بـ35 دقيقة صار "وأمل" جداً، 2-0، وأداء كبير، تَنطيط وصراخ، ورغم الخسارة بالنهاية –لإن العِلق مُختاريان ضيَّع 3 كورة حاسمة- كان فيه حاجة مُمكن نَبقى عليها، القدر ده من المَلْحَمة، كان هوملز بيقول إننا معرفناش نسمع صوت بعض من عُلُو صوت الجماهير، هو ده تحديداً، كرة القدم هي الوَطَن والحرب، والهزيمة مش أمر سيء خالص لو فيها القدر ده من الملحمية، الملحمية اللي تخلّيك قادر تتمسّك بالأمل، اللي هو شيء خَطير ويقود المرء للجنون زي ما إحنا عارفين

افتكرت كل ده بشكل عشوائي لما صحيت الصُّبح لقيت رَضوى بعتالي بوست نائل الطوخي عن مقطع "وصفولي الصبر" اللي كان بعنوان "وأمل"، وعشان ماتش "دورتموند" في العودة مع بايرن ميونيخ النهاردة، وعشان مَشاعر الحَماسة المُفرطة اللي بَشعرها ناحية الفريق ده، فكتبت البوست المؤجل من 4 أيام، بفكر حالاً إن كل سنة أبقى أكتب بوست عنهم بعد نهاية مشوار دوري الأبطال، وهيبقى شيء جَميل لما بعد وقت طويل أبُص عليهم ورا بعض ويكونوا حاملين للسنين والذكريات، وقد إيه هتبقى لَحظة عظيمة لو انتهى الأمر ذات مرة بإننا فُزنا بيه، كُل شيء مُحتمل، هَعْمِل كده إن شاء الله

ملحوظة: الصورة الأولى من احتفالات الجماهير بالفوز بالدوري سنة 2012 تقريباً، والصورة التالية من ماتش ريال مدريد قبل 4 أيام:




تحديث: كِسبنا بايرين ميونيخ 0-3 في أليانز أرينا، بأداء مثالي من الفريق بالكامِل، وفي المُقابل أرسنال كَمان اتأهل لنهائي كأس إنجلترا وبقت البطولة الأولى من 9 سنين أقرب من أي وقت تاني

11 أبريل 2014

"وَيُقال، أن العِبرة لا تُؤخذ من الحَقِ في الحال، وإنما الاعتبار بما يَظْهَر من حُسْنِ تَقديره في المآل"

الإمام القُشِيري – "لَطائِف الإشارات"

31 مارس 2014

نور


- مرة زمان، من خمس سنين يمكن، كنت بقول لواحد صاحبي إن ديوان «أيام العَجَب والموت» بتاع فؤاد حدّاد هو ديواني المُفضَّل، بالصُّدفة كان أول ديوان أقراهوله، وتقريباً مَفهمتش حاجة، بس كان ليه أثر مش قليل، رد عليَّا بإنه «بقاله سنين بيمشي في الديوان ده ومش حاسس إنه قرَّب يوصل».

من قبل الوقت ده، ومن بعدها، كنت بقرا الديوان كل كام شهر بدون قصد، مُحتفظ بنسخة قديمة جداً لمكتبة الأسرة، معلّم على بعض الأبيات بقلم جاف، وكاتب في آخر صفحة اسم دَوا برد، الغلاف بتاعه فيه حتة مَقطوعة، وكل مرَّة أرجع لنفس النسخة، اللي شايله "زَمَن"، أشوف الوقت قد إيه هيخلّيني أقرَّب، وكل مرة بحس إني خدت خطوة، «بس لسه مقربتش أوصل».

المرة دي وانا بقراه كنت بسمع بعض قصائده بصوت «حداد» نفسه، أكتر جزء «تبقى» كان في قصيدة النَّبض: «شيخ فؤاد يا شيخ فؤاد هتطير
/ولا راح تتقل على كتافهم/ولا تتسمَّر في نور الأرض؟/ولا بعد الناصية راح نِعْمَى/يا حبيبتي للأبد عن بعض»، بيعيدها مرّتين في التسجيل، صوته بيعلى ويتهدَّج في آخر المرة التانية، ومبيكونش عندي تفسير مُحدد ليه كانت الجملة المرة دي كبيرة في قَلبي للدرجة دي.

- في الشهر ده أكتر حكاية فكَّرت فيها كانت حكاية عن العالم الياباني اللي جاب 3 أكواب فيهم ميَّة قليلة، وِقِف قدَّام الأولى وقال "
I Miss U" ووقف قدَّام التانية وقام "I Love U" ووقف قدَّام التالتة وقال "I Hate U"، ولما رِجع بعدها بيوم لقى الكوباية التالتة لون الميَّة فيها غامِق ولما شفاها تحت المِجْهَر كانت ذرَّاتها عَطِنَة، في مُقابل نقاء الأولى والتانية.

عادةً العَقل هيبقى عنده «ديفنس ميكانيزم» ضد حكايات من هذا القبيل، بس ده مش مُهم، مَفيش حد مُطالب يخلّي حد يصدَّق أو يقتنع بحاجة، أنا نفسي مقدرش أقول إن عَقلي مُستسلم بشكل كامل لحكاية عن «طاقة الكلمة»، حتى لو كلمة «طاقة» نفسها هي أكتر حاجة قلتلها وتتبعتها خلال الشَّهر، وحتى لو الحكاية نفسها هي أكتر حاجة فكَّرت فيها.

- "يتكون كل كائن حي في معظمه من الماء، فجسم الإنسان مؤلف بنسبة 60% من الماء. أما الفيل وسنبلة القمح فيتألفان بنسبة 70% من الماء، ودرنة البطاطس ودودة الأرض تتألفان من 80% من الماء. أما ثمرة الطماطم ففيها 95% من الماء، وتحتاج كل الكائنات الحية إلى كميات من الماء للقيام بعملياتها الحيوية".. صفحة «ويكيبديا» عن «الماء»

- يمكن عشان كده تحديداً أثر قراءة القرآن في صَمت غير أثره لما يُقال بصوتٍ مَسموع بينك وبين نَفسك، اللحظة دي لما جَلَست جَنب القَبر مثلاً وكنت بقرأ سورة «الكَهف»، بدون تَرتيب أو قَصد، وكان العالم مُمتلئ بالقدر ده من الراحة والسّكون، «الحِسّ» كان مُهم وقتها، كُنت هَكتب، حالاً، إن الراحة والسكون كانوا خارجين منّي مش جايين من العالم، ثم ربطت بـ«فيكَ انطوى العالم الأكبر»، «ابن عربي» يعرفُ الكثير، والكلمة حمَّالة أوجُه، ده أحد الوجوه أكيد.

- كنت بفكَّر خلال الشهر أكتب مَقال عن نقط تماس بين أفلام تيرانس ماليك، وتحديداً
The Tree of Life، وبين شعر فؤاد حداد، وتحديداً «أيام العجب والموت»، بس مكنش عندي أي فكرة إزاي ميكونش مَقال بضان بيعتمد على رَبط مُتعسف لحَصيلة الشخص المعرفية، بس الفكرة كانت مُسيطرة عليَّ لدرجة إني فكَّرت أصدَّر المقال بإني هَبذل مَجهود عشان ميكونش «بضان»، وأذكر الكلمة الدقيقة واللي مَلهاش بَديل لَغوي، وبعدين صَرفت نَظر عن الموضوع بالكامل.

بس ما تبقى هو النظرية، كنت بفتكر «شجرة الحياة» كتير خلال الشهر ده، ولأسباب مُختلفة، أحدها هو تعبير «بنت رَبنا»، وافتتاحية الفيلم من الكتاب المقدّس عن: «جميع بني الله»، وأحدها هو جملة «لابيزكي» الفاتنة عن «تصوير الفيلم كأنه اقتفاءً للأثر، كأنك تصور عِطر أو رائحة»، كنت بَصِف الفيلم دايماً بإنه زي واحد بيحكي من الذاكرة، تفاصيل بتُقع، وحاجات تبقى مُشَوَّشة ومش وضحة أوي، وفي النهاية انتَ بتكمل الفراغات بشخصك والعمل بيكون تجربة ذاتية تماماً.

نفس الحاجات دي، بنفس التعبيرات، ممكن أصِف بيها «أيام العَجَب والموت»، أو زي ما هو نفسه بيقول «وانتقل في الماضي واستغرب»، أو زي الافتتاحية البَديعة لديوان «النقش باللاسلكي»: «واعمل مغمَّض.. كإن الدنيا عارفاني».

العملين لعجائز «بيقتفوا الأثر»، بروابط وتفاصيل كتير عن شخوص أصحابهم، بس أنا مش بحاول أتبع أو أأكد النظرية، وطبعاً مش هَكتب مقال عن كده في حياتي، هكتفي بس بإني أقول بين حين وآخر إن أيام العجب والموت وشجرة الحياة فيهم روح بتفكَّرني ببعض.

- جات لي الصورة كالآتي، إن كل كتاب الأغاني والشعر خلال التمانينات والتسعينات كانوا بيتحرَّكوا في مساحة مِتْر في مِتر، وعصام عبدالله عَ الناحية التانية بيجري في فدَّان أرض.

كنت ليلتها بَسْمع «الطول واللون والحريَّة»، ورغم حاجات كتير سَقَطت من منير بس ده بيفضل أكتر ألبوماته دَهْشَة بالنسبة لي، وأكتر ألبوم «حُرّ» عمله –مع وسط الدايرة-، بس كنت أقصد في أول الجملة إني بسمع الأغنية نفسها، «الطول واللون والحرية»، هروح أسمعها دلوقتي قبل ما أكمل كتابة


أنا في الجرنان دلوقتي وحواليا صوت فمستمتعش بيها زي المرة اللي سمعتها في نُص الشَّهر ده، وكنت مُندهش، دَهْشَة حقيقية، بشأن إزاي "عصام عبدالله" كتب الأغنية دي، وازاي التعبيرات غريبة ومألوفة بالقدر ده، وكان قلبي مُمْتَلئً بالجمال.

«مش جايز أموت فيكِ وفيكِ
/ده أنا أموت في عينيكِ من غَمزة
أنا عارف نفسي وتلكيكي
/هَعشق لياليكِ من لَمسة
ده أنا عارف نَفسي وتلكيكي
/
هَعشَق لياليكِ من لَمسة»