07 مارس 2012

بسكاليا (2-3): زمن اللّعب رَاح يا خان



الشّوارع تبدو مُوْحِشَة مُجدداً ، والمدينة لم تَزَل مُعْتِمَة ، الغيوم تَكْسُو سَماء القاهرة ، وكأنّ الشمس قد قرَّرت الاحتجابِ حُزناً ، وجوه المارَة ، القليلين في السادسة صباحاً ، حتى لو كان ذلك بميدانِ رمسيس ، تَمُر أمامُه مُكْفَهِرَّة ، بخطى ثقيلة ، لا أَحَد ينظُر في عَيْنَي الآخر ، لا أحد يتحدَّث .

كان الجميع وكأنَّهم قد استيقظوا من النَّوم لتوّهم ، على كابوسٍ واحد مُشترك ، يُحاولون الهَرب منه ، ولو بالتواطؤ صَمتاً حتَّى يَنسوا ، وما مِن مَهرَبٍ كان أو نسيان .

ظَنَّ ، وهُوَ يَسِير بين شوارع وَسَط البلد ، التي صاحبها لخمسين عاماً ، من رمسيس حتى ميدان التّحرير ، مروراً بعمادِ الدّين والألفي وطَلْعَت حَرب ، أن تِلكَ المَدينة لن يُفارقها الحُزن بعد ذلك أبداً ، وكأنَّه في مَشهد النهاية ، بأولِ أفلامه ، ولا يَتبقى الكثير حتى تُحال الشَّاشة إلى سوادٍ كامِل .

في السَّابعةِ صباحاً ، كان قد وَصَل إلى بَيته ، وكانت الشَّمس لَم تَزل مُحتجبة ، وِسَام كانت نائمة ، والتلفزيون كان مُشَغَّلاً دونَ صوت ، جَلَس على الكُرسي بجوار السّرير ، نَظَرَ إلى الشَّاشَة ، الكلام الأبيض المَكتوب على خلفية سوداء ، ظَلَّ ثوانٍ حتى أدرك ، كان يَعلم أنه لو قام برفع الصَّوت سَيَسمع أحمد زَكِي ، ولكنَّه  رَدَّد بدلاً مِنه "فيه ناس بتلعب كورة في الشَّارع" ، وحين وصل إلى أنَّ "الناس بتشتم بعض .. تضرب بعض .. تقتل بعض في الشَّارع" ، كان الجالس على كُرسيه قَد غَفَا .


قبل اثنتى عشر ساعة من كُلّ هذا ، كانت الأمور هادئة ، رُبما أكثر من العادي ، لأن خان قد قرّر أن يُمارس هوايته المُفضَّلة الثانية ، بعد الإخراج ، ويُحَضّر الطعام ، له ولوسام ، ومَزاجه كان رائقاً لذلك .

لديه نظريَّة قديمة ، عن كَونِ تحضير الطّعام ، أشبة ، تماماً ، بإخراجِ الفيلم ، كيفَ تَضع جُزء من رَوحك في الأمرِ كُل مرّة ؟ ، تُحافظ على أن يَحدث كل شيء في اللحظة المُناسبة ، أن تَقْطَع المشهد هُنا وليس بعد ثانيتين ، في مُقابل أن تُضيفُ بقيّة الخضروات حين يَصِلُ البَصَل إلى اللَّونِ المَطلوب ، مَتى يُمكن أن تَدْخُل الموسيقى ، وكم من البُهارات يجب أن تضعها ، أي زاوية تختار لِلَقطة الفينالة التي تُنهي كُل شيء ، واللحظة التي يُمكن فيها إطفاء النَّار بعد أن طُهِيَ الطّعام لدرجةٍ مِثاليّة ، كُلها أشياء تَخْضَع للرَّوح والذَّائِقة ، سواء سُمّيَ "الإيقاع" في السيّنما ، أو "النَّفَس" في الطَّعام ، الآن صار كُل شيء جاهزاً .

في كُلّ فيلم من أفلامه كان هُناك مشهداً ، على الأقل ، حولَ مائدة طعام ، يحيى الفخراني قرَّر البقاء في الرّيف لأن نَفَس فريد شوقي في الطَّبخ كان عظيماً ، لم تجد سعاد حُسني ما هو أكثر قسوة من أن تَقْتُل نفسها مع حسين فهمي وهم جالسين على العَشَاء ، اللَّحظة التي أدركت فيها ميرفت أمين أن أحمد زكي قد تغيَّر كانت حين انفعل عليها أثناء الأكل .

لذلك فلا يُمكن أن تصنع طعاماً سيئاً ، أو فيلماً ، إذا نَفَّذته مُحِبَّاً ، يُقَطَّع الفِلفل ، الطَّماطِم ، يَستخدم "الموس" للحصول على شرائح رَفيعة من الثَّومِ ، كَم كبير من عَصِير اللّيمون كَي تُتَبّل فيه الفراخ ، يترك المَكرونة كَيّ تُسْلَق ، يتذكَّر حين أحضر منّة وهند إلى بيته ، ليطبخوا جميعاً ، قبل الذهاب إلى وسط البلد ، فشعرتا بالفعل أنَّهن صديقتين قديمتين ، لأن صُنع الطّعام يَخلق أُلفة تلقائية ، يَبتسم حين يُفكَّر أنه طَباخ ماهِر ، تماماً كموهبته  كمُخرج ، ستكون أكلة رائعة ، فـ متى يصنع فيلماً رائعاً من جديد ؟!

تَمُرّ الفكرة حادّة كالنَّصل ، وكأنَّه قد لَسَع يديه فجأة ، متّى ؟؟ ، لا يعرف ، يُلقي بنظره تلقائياً على الجوائز ، وشهادات التقدير التي قرر منذ فترة طويلة أن يصنع لها براويز ، ولم يفعل لأن خاطر قال له أنه يجب أن يُحقق المزيد من الأفلام قبل أن يبدأ في أمرِ البراويز .

كان ذلك وقت تكريمه في المهرجان القومي للسينما قبل ثلاث أعوام ، "محمد خان .. ذاكرة سينمائية تتحدّى النسيان" ، يُفكَّر في أنه كان عنواناً مثالياً لكتابٍ عنه ، فقد وَضَع كُل التفاصيل التي مرَّت عليه في حياته بداخل أفلامه ، حتى لا ينساها حين يَكْبر ويَشِيخ .

كان مُمتناً ، وقتها ، لأجواءِ الاحتفال ، الأصدقاء القدامى ، التلاميذ الذين صاروا زملاء ، الجمهور ، مَحَبّة الغرباء قبل الأقرباء ، حتى الأسئلة السَّخيفة المُعتادة لم يغضب منها ، "إيه رأيك في المهرجان السنة دي؟" ، "تحب تقول إيه عن اختيارك بين المُكرّمين؟" ، "بتعتقد إن الدولة بتقدر مُبدعيها الأحياء؟" ، "إيه إحساسك بالتكريم؟" ، ما هو إحساسه بالتكريم ؟ ، "لا أعلم ، أنا سعيد ، سعيد لأني حَيُّ أُرزق ، لأنني لازلتُ قادراً على إخراج المزيد من الأفلام" ، يَصمت قليلاً ثُم يُكمل "بالنسبة لي التكريم ليس لي ، هو لأفلامي الماضية ، التي صارت كائنات مُستقلة عني ، التّكريم الذي يخصني هو الذي يأتي عن فيلمٍ جديد ، لازال مُلتصقاً بي" ، "طيّب امتى هنشوف فيلمك الجديد ؟"

يَرِنّ السؤال بدويٍّ مُزعج الآن ، "امتى ؟!!" ، أيُّ فيلم هو المقصود أصلاً ؟ ، خمس سنوات ، خمس مشاريع ، في كُلّ مَرة يَضغ جزء من روحه ، رُبما روحه كاملةً في الأمر ، "ستانلي" "نسمة" "الأستاذ إحسان" "المسطول" "فتاة المصنع" ، تتزاحم الأحداث والشخصيات داخل رأسه الآن ، أُرهق من دوران الأمر بنفسِ الشكل كل مرة: تِطَلَّع نَفسِك على ورق ، مشاكل مع الرقابة ، شِحاتة التمويل ، تِدَوَّر على من سَيُصَدُّق ويؤمن بما تُريد حَكْيه ، تِلاقي نفسك مَلْطَشة لمن أحب ومن لم يُحب ، ثم في النهاية: يُوضع كل شيء في دُرجِ المَكتب ، وخبر جانبي بالصُّحف "تأجيل الفيلم الجديد للمخرج محمد خان بسبب مشاكل إنتاجية" ، ليست مشاكل إنتاجية ، ولكن فساد احتل كُلّ شيء ، حتى السينما ، يسأله صَحَفي منذ عدّة أشهر "إزّاي مُخرج بقيمة محمّد خان بقاله خمس سنين معملش أفلام ؟" ، يُجيب "انتَ بتسألني أنا ؟!" .

ورغم ذلك فمازال يُفكَّر ، ويتحمَّس لكلّ فيلم كأنه أول فيلم ، ويشعر أنه سيموت لو لم يَفعله الآن ، ويؤمن أنه سيموت بالفعل حين يتوقف عن الشعور بذلك ، المُخرج ، أيّ مُخرج ، يجب أن يحمل دائماً شيئاً يُريد حَكْيه ، موقف ، نُكتة ، تفصيلة ، فكرة يعبَّر عنها ، أو إحساس يوصَّله .

فِي تِلك اللحظة: كاد الخُضار أن يَسْتَوي ، واستعد خان لأن يُضِيف الصَّلْصَة ، وعَقله مازال مشغولاً بشأنِ فيلمه القادم ، فارس كان يَلْهث في الثُّلث الأخير من فيلم "الحريف" الذي تعرضه إحدى قنوات التلفزيون ، وفي قناة أخرى ، كان المصري يُحرز هَدَفُه الأول في الأهلي .

يُضيف الصَّلْصَة ، وتَسْتَمِر الأفكار في مُداعبته ، غالباً ما حَرَّكه "إحساس يُريد إيصاله" أكثر من أي شيء ، أمرٌ عابِر ، إعلان في الجرنان عن اختفاء مُوظَّف خَرج من بيته ولم يَعُد ، امرأة تقوم كل ليلة بلعب البوكَر في شَقة جارتها ، عامِل بسيط ذو شُهرة فائقة في الكورة الشَّراب بداخِل حَيُّه ، يتحوّل الأمر لأشخاص ، ثُم تفاصيل ، ثُم فيلم ، لا يعرف كيف يبدأ كُل هذا ، ولكنه ينتهي في قاعة عرض يُشاهد بها عمله لأول مرَّة ، يَفْخَر بأنه لَم يُقدّم أي قصة لم يُحبّها أو يضع فيها جزءً منه ، لذلك فهو يعتقد أنه لم يُقدّم أي فيلم سيء ، ولكن فَخره بذلك لا يكون صافياً ، يُحاول الهرب ، ولكن دائماً ما يتذكر "السادات" ، دائماً ما يتذكره الجميع .

في تِلك اللَّحظة ، كان على خان أن يُقَلّب الصَّلصة مع الخُضار ، وأن يُهَدّئ النار كَي يَسْمح لهم بطهوٍ جَيّد ، ولكن انفعاله بالدفاعِ عن نفسه ، للمرة الألف خلال عشر سنوات ، جعله يغفل ذلك ، في نفسِ الوقت .. كان المصري قد جاء بهدفٍ ثانٍ ، ونزلت بعض جماهيره إلى أرض المَلعب كي تحتفل مع لاعبيها أثناء المباراة دون أن يمنعهم أحد ، وكريم عادل ، أحد قادة ألتراس الأهلي ، كان يتمنى ، للمرّة الأولى في حياته ، أن ينتهي الأمر بانهزامِ فريقه ، كي يُحافظ على حياة أفراد المَجموعة ، إزاء غَضب الجماهير على الناحيةِ الأخرى ، والأمن الذي بدا غائباً ، وفارس كان قد قرَّر تَرك الكُرة الشراب والشُّغل مع شعبان في التَّهريب ، يُخبر ابن عَمُّه أن "كُلّنا غلابة يا مُحْسِن" .

"السادات" ، يَنطقها بغضب مكتوم ، كان فيلماً جيّداً ، كان عملاً جديداً في السينما ، 12 مليون جنية إيرادات في عصر اللمبي ؟ ، تكريمات مُتتالية ، من رئاسة الجمهورية ؟ لا بل من الدولة ، "لم أقم بإظهار جوانبه السيئة لأن الأمر كله بمثابة صورة ذاتية عن نفسه ، مُقتبس عن كتابه ، كما أن السيناريو كاملاً كتبه أحمد بهجت ويُسْأل هو عنه" ، يتنفس بعمق وكأنه قد فرغ لتوّة من لهاثٍ ، "ومنذُ مَتى لا تُشارك في السيناريو ؟ ، أليسَ هذا هو الفيلم الوحيد الذي لم تَكْتُب فيه أو تَصنع له الدّيكوباج ؟" ، يَشُم رائحة الخُضار الذي حُرِقَ قَعره على النار ، يتوتّر ويُقَلّب في غضب ، يُحاول أن يُقنع نفسه بأن ما من شيءٍ سيء قد حدث ، يُهدّئ النَّار ، "نعم لم أكتب في السيناريو والدّيكوباج ، نعم لم أرضَ عنه بشكل كامل ، وربما تراه فيلماً سيئاً ، ولكن أتذكر ما هو الأكثر سوءً ؟ الجلوس في المنزل ست سنوات دونَ عمل ، أن ترى السينما وهي تتحرَّك للأمام وتبدو كأنها قد نَسَتْك ، أن تَقول كلمة "أكشن" وأنتَ وحدك لأنك تفتقد شعور التواجد وراء الكاميرا ، أن يَمُوتَ عاطف ، ويَتَّجه خيري للتلفزيون ، ويَظَلّ داوود يُجاهد بين كل فيلم وآخر ، وكأن أحداً لم يَعُد يُريد جيلاً كاملاً كان الأهم لسينما تَحْتَضِر" ، يَتَصَبَّب عرقاً وهو يُقَلّب بآليَّة ، يشعر بثُقلٍ شديد ، "نفس الأمر الذي يتكرَّر الآن ، لو عُرِضَ عليكَ السَّادات مرّة أخرى في تِلك اللحظة ، هل سترفضه ؟!" ، لا يُجيب خان على نَفْسِه .

ظلَّ لفترة لم يُجب ، كانت كافية لأن يُحرز المَصري هَدَفه الثالث ، عَبدنيو ، قائد آخر للألتراس ، نَزِلَ من فوق السَّماعة التي يقودُ من خلالها المَجموعة ، وآثر تجميعهم سوياً في مُنتصف المُدَرَّج ، قلِقاً من الأجواء الغريبة التي كانت في الإستاد ، فارس كان يلعب مباراته الأخيرة في الفيلم الذي ستُعيد القناة عرضه صباح اليوم التالي ، يوسَف محمَّد ، أحد أعضاء مجموعة الألتراس ، من المطريَّة ، أدرك أن المُبارة قد انتهت ، ذَهَبَ إلى الحَمام بعد أن تحامل على نفسه منذ بداية الشَّوط ، وخان كان غاضباً ، لم يَعُد يستمتع بأكلته ، أدرك يقيناً أنها ستكون سيئة ، صَفَّر الحَكم ، نَزَلَ الآلاف أرض الملعب ، باتجاه مُدرَّج النادي الأهلي ، تَرَك خان الأواني على حالها ، وغادر المَطبخ ، صَارَ المُدَرَّج مُحاصراً بشكلٍ كامل ، وبدأت المجموعة تَتَّجه ، لاهِثَة ، نحو مَمَر الخروج ، هَرباً مما بدا أنه الموت ، فارس كان يَلْهَث أيضاً ، البوابات كانت مُغلقة ، شَعرَ خان وكأنه يَختنق بأفكاره ، الشهيدُ الأول ثُم الثاني ، يَسأل بَكر "مش هتلعب تاني يابا صحيح" ، هذا هو الشّهيد العاشر ، يَظْهر عبر البَثّ المُباشر ، لم يَكُن هواء القاهرة يَكفي خان كي يَتَنَفَّس ، يَلهث فارس ، يعود يوسف من دورة المِياة ، يُحاول كَسر الباب المُغلق ، يَنْكَسِرُ عليه ، ويَسْقُط شهيداً جديداً ، يَحْتَضِن فارس ابنه "خلاص يا بكر .. زَمَن اللّعب رَاح" .


في السَّاعاتِ التَّالية ، ظَلّ خان يُتابع أعداد الشُّهداء التي تتزايد كُلّ دقيقة ، يَشعر بالقَهْرِ ، والعَجْز ، وما هُوَ أكثر كثيراً من الحُزن ، صُورة المُشِير الذي خَرج ليُعلن ، بعد أن قارَب الشُّهداء على الثمانين ، أن هذا يَحْدُث في أي حتّة في الدنيا ، ملأته بالغَضَب ، وفي الثانية صباحاً عَرِفَ أن أهالي الشُّهداء سَيَتَّجهون إلى مَحَطَّة مصر ، أملاً في أن يعود أبناءهم على القطار القادم من بورسعيد ، يَتَّجه إلى هُناك ، وفي المحطَّة يَقِفُ مَذهولاً ، يُحاول أن يُردَّد مع الهِتافات المُنْطَلِقَة ، "يَسْقُط يَسْقُط حُكم العَسْكَر" ، ولَكِن صوته يَخْتَنِق ، يَنظر إلى الآباءِ والأمهات ، الأخوة ، الأصدقاء ، وهُم يمرّرون بينهم أسماء الشُّهداء المُعلنة حتى الآن ، يَقترب ، يبدو تائهاً ، كَكُلّ الوجوة حَوله ، يربت على كَتِفه شاب يُبدي تماسكاً ظاهرياً ، "إن شاء الله يا حاج يرجع سَليم أو مُصاب ومتلاقيش اسمه" ، ثُم يُعطيه وَرقة بالأسماء ، يُمَرّر عينه ، يتوقف عند كل اسم ، قبل أن ينقل عينيه إلى آخر بصعوبة ، لا يستطيع أن يُكمل عند نصف الورقة ، بعد أن أصابته دُوخة ، لَم يَعُد يَحْتَمِل ، أصوات البُكاء ، النَّحِيب المَكتوم حوله ، والهِتافات الآتية من على شَريط القطار ، يجلس على أحد الأرصفة ، يَسْنِد ظَهره على عامود ، تَغْفَو عينيه من الحُزن .

تُوْقِظه وِسام قُرابة العاشِرة صباحاً ، كي يَترك الكُرسي ويَنام على السّرير ، يَشعر ، لأول مرة في حياته ، أنَّه بالفعل عَجوزاً في السَّبعين ، ينتقل بصعوبة إلى سريره .

وبين النّوم واليَقظة ، يَمُر على باله أن الحِلم الوحيد الذي تمناه طوال حياته ، هو أن يَصْنَع فيلماً فيه الحقيقة كُلها ، عن نفسه ، وعما حَوله ، صادق بنسبةٍ كاملة ، وعندما قامِت الثَّورة ، تحديداً في جمعة النَّصر ، حِينَ نَزل إلى التَّحرير ، كانت أكثر لحظة في حياته شَعَر فيها أن حِلمه يُقارب التحقُّق ، كان ذِهنه صافياً ، كَكُل شيء حينها ، ما هو حِلمه الآن ؟ ، لم يَعُد حتى يَعْرِف الإجابة

خلال البقية الباقية من شهرِ فبراير ، لم يَدْخُل خان إلى مَطْبخه مرة أخرى ، وبقت كُل أواني الطَّهي على حالِهَا ، لم تعرض أي قناة تلفزيونيّة فيلم "الحرّيف" ، ولم يَجُد هُو التمويل لإنناجِ فيلم جديد ،  اسْتُشْهِدَ يوسف ، وظَهَر كريم وعَبدنيو لأول مرة على التلفزيون يُطالبان بِحَقّ الشُّهداء ، لم تَعُد الكُرَة تُلْعَب ، وبدا واضحاً ، كما قال فارس ، أنّ زَمَن اللّعب قَد راح ، حتى أن هِتاف الألتراس الشَّهير الذي كَان "يوم ما أبطَّل أشجَّع هَكُون مَيّت أكيد" ، قَد صارَ تَرنيمة حَزينة يُرددها الجَميع بصوتٍ خفيض: "أخويا مَات شَهِيد / مِ الغدر في بورسعيد / ويوم ما أفرَّط في حَقُّه / هَكُون مَيّت أكيد" .