07 مايو 2009

بين تاركوفسكي وحلم البنوتة



أحب تاركوفسكي أكثر كثيراً من محبتي لأفلامه ، أحبّ أن أقرأ له .. و أشاهده يتحدّث .. أو حتى أن أرى أجداً يحبه بمثلِ هذا الشغف ، كل هذا أكثر قرباً لي من أن مشاهدة الأفلام ذاتها – رغم مشاهدتي لكل ما قدمه عدا قربانه ! - ، تاركوفسكي يتعمّد دوماً أن يقتل العاطفة بداخل ما يقدمه أو – بشكلٍ آخر – يجعل العاطفة نفسها كخطاب موجه للعقل وليس للروح ، حتى في حديثه عن أكثر الأشياء قرباً منه : كأمه التي لم يحبُ أحداً مثلها ولم يرَ من أعظم منها .. أو فناناً اعتبره دوماً نموذج لما يحب أن يكونه .. أو حتى شعوره بوطنه وعلاقته به ، يحاول – وينجح – في أن يحيّد عاطفتك تماماً كي "تحاوره بعقلك" دون أن يؤثر عليك بعاطفته ، هو يبحث دوماً عن أشياء ومعانٍ كبيرة .. عن وجود الإنسان .. عن دور الفنان .. عن ( القيمة الروحية ) .. وثالوث الخلق والخالق والطبيعة ، وهناك دائماً شعراً بالسينما - قولاً وصورة -، ولكن في
كل ذلك هناك افتقاد – من جانبي على الأقل – ( للإنسان ) حتى وهو يتحدّث عن كل الأزمات الفلسفية والوجودية التي تخصه ، افتقاد ( للحسّ الإنساني ) وهو جزءً موجود في كلَّ عملٍ فنّي أحببته يوماً

يفعل تاركوفسكي ذلك دوماً ، ولكنه – رغم محاولته – فشل في أن يفعله معي في فيلمٍ واحد أصبح من أكثر الأفلام قرباً لي ، فيلم عظيم بأفكار ورؤى تتصل مع كل أفلام آندريه عن الإنسان والطبيعة والوجود ويتحرّى فيه - للمرة الوحيدة ربما - علاقة كل ذلك بالعلم ، ولكن هذا ليس ( الأهم ) .. الأهم فعلاً حيثُ استطاعت ( العاطفة ) أن تهرب منه وتتجاوز كل محاولاته لتجاوزها أو عقلنتها


Each moment of our dates, not many
We celebrated as an Epiphany
Alone in the whole world
More daring and lighter than a bird



حلمتُ ذات ليلة "ببنوتة" .. حُلماً بمذاق ( الحنين ) ، أشتاقُ بقدرِ ما أحب .. وقد أخبرتها يوماً بأنني أحبها لآخرِ ما أستطيع ، ولم أشعر قبل ذلك كم ( أفتقد ) وجودها جانبي بأكثر مما شعرته في هذا الحلم 

- أنا حلمت بيكِ إمبارح ، مكنتش ناوي أقولك بس يخرب بيت المعيلة
- لأ قول عشان خاطري ، أكيد حلو طالما أنا فيه
- أنا معرفش أشوفك غير في كل حاجة حلوة
- :) ، طيب قووووول بقى

لم يكن شيئاً بأكثر من كوننا معاً .. أراكِ .. أتلمسك .. أصمتُ كي أسمع صوتَك .. وتصمتي كي أفهمك دون حديث  .. وأُحبّك حينها لآخر ما أستطيع

"كنا سوا ، في بيت ، في مكان ، حتة معرفهاش ولا شفتها قبل كده بس كانت مليانة دفا وحميمية ، يمكن بس عشان انتِ كنتِ موجودة ، قلتي لي حاجة ضايقتني وقلتلك بلاش تعمليها ، قلتي لي مش هتعمليها بس مش مقتنعة ، - حتى في الحلم لمضة ؟؟ - ، قلتلك مش عايزك تعملي حاجة مش مقتنعة بيها عشان عمري ما هحب أغصبك على حاجة .. أنا بس بخاف عليكِ ، وديّت وشّي الناحية التانية كإني مقموص .. حركتي راسي ناحيتك بشويش وابتسمتي وقلتي لي "متزعلش" ، امتى كنت بعرف أزعل منك أصلاً ؟؟ ، مسكتي بعدها إيدي وقلتي "هقرالك الكف" .. قلت "يا سلام ، من امتى بتعرفي تقري كفوف ؟" .. قلتي "تؤ مبعرفش أقرا كفوف بس هعرف أقرا كفّك انتَ" ، حرّكتي صوابعك على كفّي وقلتي حاجات لسه فاكر رنّة صوتك زي ما تكونِ بتقوليها دلوقتي في وداني

لحظتها – في الحقيقة – موبايلي رنّ أو باب بيتنا خبط ، حصل حاجة خلتني أعرف إني في( حلم ) من غير ما أفتّح عنيا ، بس عارفة أجمل حتة في الحلم ده كانت إيه ؟ ، إني كملت نوم وأنا مدرك إنه حلم ، وجوا الحلم نفسه خدتك وجرينا برة المكان أو البيت اللي كنا فيه ، معرفش كنا فين ولا رايحين لفين بس كنت بهرب بيكِ من رنة الموبايل أو خبطة الباب أو أي حاجة ممكن تفرّقنا ، كنا سوا .. جرينا على قد ما نقدر ، وفي آخر الحلم .. قبل ما أصحى بثواني ، حضنتك جامد .. كانت عينك مدمّعة ودموعك نزلت على كفي اللي كنتِ لسه من شوية بتقريه .. قلتلك إني مش عايزك تمشي ، وغمضت عيني جوا الحلم عشان يفضل ( حلم ) ، كنت زي اللي بيهرب من حاجة هو عارف كويس إنها لازم تحصل ، بس غمضت عيني ولما فتحتها ... كنت صحيت ! بس انتِ كنتِ مشيتي !!"


كل لحظة كنا فيها معاً
احتفلنا بها كميلادٍ جديد
وحدنا كنا في الكونِ كله
ِ أكثر خفّة من أيَّ طائر


في الرومانسية الوحيدة التي قدمها تاركوفسكي في مسيرته هناك رجل يحاول الهروب بماضيه لأبعد ما يستطيع ، وكأنه يحاول أن يرميه في الفضاء البعيد ، ولكنه يقابله في مهربه الذي التجأ إليه ، هناك رجل يقابل زوجته بعد عشر سنوات من رحيلها في كوكبٍ بعيد يدعى سولاريس ، رجل أضناه البعاد وأتعبه البحث ولم يلحظ أحد كونه قد قُتِلَ حنيناً ، حينما قابلها هناك أدرك كونها وهماً وأن ما يحدث ليسَ حقيقياً وأن مهما كانت محاولته لأن يحارب قدره بمصيرٍ يختاره بيديه .. فالنهاية ( ستكون ) واحدة .. واضحة من الآن ولا مهرب منها ، ورغم ذلك يستمر .. لقد أحبّ الوهم – فقط – لأنّ هيّ فيه .. أو لأنه هيّ


-----

- الشعر لـ "
آرسني تاركوفسكي" .. والد آندريه
- الصور من فيلم "
سولاريس" بالطبع

هناك 6 تعليقات:

Nisreen Basiouny يقول...

لغاية دلوقتى مش لاقيه اى تعليق على التدوينة ديه

كل اللي اقدر اقوله ان ليا فيك قد اللي ليك فيا يا محمد
ربنا يخليك ليا و ميحرمنيش منك

أول مره قريت التدوينة -قرتها خمسين مره مثلاً- بس اول مره قريتها كنت مشغله محمود بيرم أغنيه هي فوضي
:)
كانت خلفيه موسيقيه ممتازة
* * *

منتهى السخافة بقي مني ان يمشوفتش الفيلم للأسف بس حأشوفه لازم
البنت اللي فى الصوره الاخيره حسيت ان فيها شبه مني
بس مناخيرها أحلي طبعاً
ممكن متكونش تشبهللي و لا حاجه و ده مجرد وهم من تأثير التدوينة
بس لو هي شبهي فعلاً فا ده أكيد شرف ليها
:))
شكراً يا محمد

الكونتيسة الحافية يقول...

أعجبني الحلم كثيرا لكني اختلف معك كل الاختلاف فيما كتبت عن تاركوفسكي... المسألة أكبر من كونها اختلاف في وجهات النظر فلو كنت قرأت النحت في الزمن لأدركت تماما أن آخر ما يهتم تاركوفسكي بمخاطبته هو العقل... تاركوسكي يتحرك مدفوعا بطاقته الداخلية... وهو يراهن في كل الأوقات على أن تلك الطاقة الداخلية هي ما سيصل للمتفرج وسيحرك شيئا بداخله يدفع بعد ذلك عقله للتفكير ... لكنه أبدا لا يخاطب العقل وهذا في رأيي سر عبقريته... هو لا يحاورك من برج عاجي بل يجعل من العمل الفني متنفسا لتحرير تلك الطاقة اللامتناهية بداخله أملا في أن تجد هذه الدفقة طريقها لاختراق حواجزك والتواصل معك بما لا تستطيعه الكلمات

محمد المصري يقول...

نسرين

يادي عقدة المناخير دي
:D

مناخيرك أحلى طبعاً زي ما الشرف ليها طبعاً طبعاً
:))

---

مع تجاوز خناقتنا على شكراً العبيطة اللي موجودة في الآخر دي ، فكل اللي أقدر أقوله
اللي راح من عندي عَندِك راح ما جاني يا نسرين

انتِ بشايري الهالّة دايماً

محمد المصري يقول...

الكونتيسة

حينما صنع تاركوفسكي عمله الأول "طفولة إيفان" كتب عنه جان بول سارتر في صحيفة اليونيتا الإيطالية مرتكزاً في نقده له على نقطة أساسية وهي أن تاركوفسكي أراد في عمله هذا نقد حركة التاريخ من خلال "التشوية" الذي تحدثه الحرب في بطله الصغير ونهايته المأساوية ومؤكداً - سارتر أقصد - على رؤيته للفيلم من خلال أقوال لهيجل وماركس عن حركة التاريخ المأساوي وعلاقتها بأول أفلام الروسي الذي لم يكمل الثلاثين حين ذاك
في آندريه روبلوف أراد تاركوفسكي أن يقدم رؤيته على تأثير ( الفن ) ودوره في حركة التاريخ ، ما هو المطلوب منه كفنان .. كيف يحدثه .. كيف يؤثر في مجريات الأمور من حوله
في سولاريس كانت النقطة المفصلية التي تقلق تاركوفسكي هي تأثير "العلم" على الإنسانية وهل هو فعلاً يسير بها للأمام أم يأخذ منها أفضل ما فيها

هل أكمل أم وصل ما أريد قوله ؟؟

لتتحدث عن أشياء كهذه وتناقشها وتصوغ رؤيتك حيالها فأنتَ بحاجة لما هو أكثر من "الطاقة الداخلية" التي يحدثها فيك العمل

قرأت النحت في الزمن أكثر من مرة ، هناك أجزاء كثيرة مفضلة لي في الكتاب ، تاركوفسكي نفسه وفي جلّ تأكيده على مخاطبته للروح لم ينفِ أبداً أن هناك ( أفكاراً ) يريد طرحها وأموراً فلسفية يريد التعبير عن رؤيته حيالها ، حتى في حواراته عن تلك الأفلام هناك الكثير والكثير من المناقشة والاختلاف والتحليل وربط بين كل لقطة وعلاقتها الإجمالية بما يريد قوله ، حتى في أكثر أفلامه خصوصية وشاعرية كـ "المرآة" مثلاً : كيف في وسط التداخل بين ماضي الرجل وحاضره وفوضى ذاكرته ، هناك حضور قوي للهمّ الروسي ولقطات تربط التاريخ وتحلله من برلين إلى مدريد ومن جسد هتلر الميّت إلى اللائجين الأسبان في موسكو .. انفجار قنبلة ذرية في اليابان وحفلات انتصار في الصين ، حتى في أكثر أفلامه ذاتية لم يُنحَّ هواجسه الفلسفية جانباً وربط مرآته الذاتية بمرآة وطنه ، كيف يمكن تجاوز "العقل" ونحن نتحدث عن كل هذا ونحاول ربطه من أجل الاقتراب أكثر من أفلام الرجل وفنّه ؟؟ 

وصلني تماماً ما تريدين قوله .. دائماً ما آمن تاركوفسكي في تلك "الدفعة الشعورية" التي تحدثها أفلامه ولا أختلف في هذا أصلاً ، ما قصدته تحديداً عبرت عنه بمصطلح "الحس الإنساني" .. "العاطفة" بمنحناها البسيط كالحزن أو الفرح مثلاً ، هل هذا ما نشعره أثناء مشاهده أفلام تاركوفسكي ؟

حديثي عن العاطفة والخطاب الروحي وعلاقته بالعقل في أفلامه ارتكز أصلاً على تلك النقطة ، من الصعب أن تهتم "بمصير" إنسان في فيلم من أفلامه .. من الصعب أن تتألم لحدث يحدث مهما كان جليلاً ، هذا هو "التحييد العاطفي" الذي قصدته

هو شاعر بالطبع .. ولكنه فيلسوف أيضاً يا عزيزتي

أسعدني كثيراً وجودك هنا
:)

الكونتيسة الحافية يقول...

محمد:
سعيدة جدا بردك ووصلني تماما كل ما قلته واتفق معك تماما بأن الطاقة الداخلية وحدها لا تكفي... تاركوفسكي كانت له كما قلت فلسفاته وأفكاره الخاصة بشأن إحداث التغيير... لكنه لم يكن حريصا في أعماله على أن يغرقك في تفاصيله الشخصية أو همومه الفكرية بقدر ما كان حريصا على إبراز المشاعر في شكلها الخام البكر... من دون تعقيد أو ابتذال... مشاعر مثل الحنين والحب لا يمكن بأي حال من الأحوال التنظير لها أو التعامل معها من منظور فلسفي... بل ينبغي أن تخرج بصورتها الخام دون تكرير أو تخفيف... تاركوفسكي لا يعنيه أن ينخرط المشاهد في إحساسه بالحنين لوطنه أو حبه لامه لكن يهمه كثيرا أن يدفع هذا الشعور الصادق المتفرج لأن يفكر في حنينه هو ... في كل تلك المشاعر التي طمست لدوافع كثيرة... آدمية المرء ليست في عقله... بل في قدرته اللامحدودة على الشعور والتعبير بشكل لا محدود عن هذا الشعور.. القدرات الذهنية مهمتها هي أن تسفلت الطريق للسماح لهذه المشاعر بالتدفق بحرية لا أن تخبط يمينا وشمالا في داخلك لتحرقك من الداخل... لم يكن يعنيه كثيرا أن يتحول إلى أيقونة أو إله... فهو أذكى من ان يقع في هذا الفخ ويعلم تماما أن الاحتفاء به كخالق حقيقي للفن لن يحقق له الخلاص... أتصور أنه كان ببساطة يريد منك عندما يمد يده إليك... أن ترفع يدك الأخرى لتمدها إلى شخص آخر

شكرا على حسن استماعك وسعيدة جدا بالحوار والاختلاف معاك

mano يقول...

www.goonflash.com

the best flash games on out site