25 يناير 2009

موت مين ده يا يوسف اللي يحوشك عنّا ؟




حبيتك الحب الي عمره سنين
متّعت عيني وما انتهيتش حنين
كل اللي عاشوا في حضرتك حلوين

****

شكري مراد


"كله بدأ من هنا"

في إسكندرية ليه ؟! ، شاكر باشا – النموذج المنيّل لأرستقراطية قبل الثورة واللي عمل دوره فريد شوقي – بيوصف شكري مراد – المليجي طبعاً – بإنه "محامي فاشل وأكيد ابنه هيطلع فاشل زيه وأنيل كمان" ، ودي الفكرة العامة اللي بناخدها عن شكري مراد واللي بيتوصف بيها أكتر من مرة في الفيلم على لسان أكتر من شخصية وبأشكال مختلفة ، إنه محامي فاشل ومديون ومتنيّل ، بس بشكل تاني .. المحامي الفاشل ده كان النموذج الأجمل والأقرب للقلب للأب في تاريخ السينما – المصرية على الأقل - ..
يوسف – زي ما بيظهر في الفيلم – مكنش راضي أوي عن حياته وقتها ، الفارق الطبقي ما بينه وبين زمايله – أولاد الباشاوات والوزرا في فيكتوريا كوليدج – كان مخليه دايماً بيفكر هو ليه هنا وهل هيفدر يكمل في ظل إحساسه بالنقص ده ولا لأ ، لما كبر .. بعد سنة اتنين عشرة .. بعد أربعين سنة وقت ما قدم الفيلم ، رؤيته كانت مختلفة للأسرة المتوسطة اللي عندها طموح إنها تخلي ولادها أحسن وهي محافظة على كبريائها ، مش هروباً من وضعها بس عشان نفسها تحسنه 

شكري مراد كان عنده حلم إن ابنه يبقى مهندس .. مش بيتقبل بسرعة إن المفعوص اللي عنده 17 سنة قدر يختار وعرف إنه عايز السينما ، بس في مرحلة متقدمة بيفهم ده .. وبيسانده وبيجري معاه ناحية حلمه على قد ما بيقدر ، مش شرط شرط شكري مراد إدا ليحيى كل حاجة .. بس الأكيد إنه إداله كل اللي يقدر عليه .. وده كفاية  

شاكر باشا : جايين النهاردة يشحتوا سلفة عشان الواد المفعوص بتاعهم ده على بال ما يصرفوا دفتر البوسطة بتاعهم ، قال وعايزين يسفروه أمريكا .. سهلة أمريكا دي سهلة ! ، كأنه رايح الأنفوشي إياك ، أنا مش عارف الناس ماتعيش على قدها ليه ؟

يمكن عشان عايزين يعيشوا !1


وقبل ما تسافر بسنة صغيرة ، "هيشاولك بالجامد كده ، عشان تعرفه" ، ارجعلنا كلنا ومتطولش يا يحيى .. عشان يشوفك قبل ما .. راجل مهم ومعاه شهادة كبيرة كبيرة ، لازم ترجعلنا كلنا بسرعة ارجع إسكندرية ، ومتنساش تقص شعرك قبل ما توصل نيويورك

****

فاتن



"نكتب كتابنا ونرجع البلد واخش عليهم وانتِ في يدي وأقولهم مرتي آهي ، ده انتِ هتبقي شكاليتة في بلدنا يا بت انتِ ، وبعد كده هبني لك حتة بيت محندق كده ع البحر"

أهمية باب الحديد بالنسبة لي مش جاية بس إنه واحد من أعظم أفلامنا وأهم أفلام يوسف في الفترة دي ، الأهم من كده إنه خلاصة وجعه وألمه خلال المرحلة دي من حياته ..

سنة خمسين بعد ما رجع من أمريكا عمل أول فيلم في حياته ، ويمكن القدر بس هو اللي خلى إن بداية الرحلة مع أول فيلم تبقى مع أول حكاية حب بجد .. واللي بتبتدي كالعادة بكسرة قلب ، العيلة البريئة دي اللي طلعت مع محمد عبد الوهاب في فيلم من أفلامه وبعدها اشتغلت في شوية أفلام ميلودرامية في الأربعينات ، هي نفسها البطلة هنا .. في الفيلم الأول وفي الحياة كلها ..

كان صعب أوي إنك تعرف فاتن حمامة ومتحبهاش ومتبقاش فتاة أحلامك ، زي ما يوسف كان بيقول لما اتسأل إذا كان حب فاتن حمامة ولا لأ .. ورغم إنه كان عيل عدى السبعين إنما كان لسه بيتكسف وبيلغوش على الموضوع وراح قايل "ومين اللي يعرف فاتن وميحبهاش ؟!"

وزي ما شاركته بطولة أول فيلم كانت هي البطلة الأهم في أفلامه الأولى ، أهمها صراع في الوادي سنة 54 ، واللي فيه اتعرفت لأول مرة على الوجه الجديد اللي هو اكتشفه "عمر الشريف" .. وبعدها بسنة واحدة اتجوزته لعشرين سنة ..

وقتها يوسف كان ابتدى يثبت خطاه في السينما .. ابتدى يبقى مخرج مهم وليه قيمته ، بس كل ده ولا حاجة بالنسبة لإن قلبه ينكسر ، كان وقتها عنده استعداد يتخلى عن كل حاجة "ويرجع البلد يبنلها بيت ع البحر" لو رضيت بيه ، ولإنه رغم كل حاجة فضل عيل إسكندراني لما بيحب بيحب بجد ولآخر حتة في قلبه وعنده استعداد يدي كل حاجة للي بيحبه .. لما ده محصلش سببله أكبر جرح في حياته ، لدرجة إنه وقتها حاول ينتحر 

- هناك أشياء بين السما والأرض .. تمخول المخ
- يعني إيه
- يعني هو خرج كل غلة في الفيلم وفي الآخر محدش قدر
- وهو مغلول من إيه ، هو كان أعرج بحقيقي
- كل واحد فينا أعرج بطريقته ، يمكن ناقصه شوية حب .. حنية
- حنية ، طب ده إحنا كلنا بنموت فيه
- المهم هو بيموت في مين 

النتيجة الفعلية للتجربة دي كلها كانت باب الحديد ، يوسف مكنش محتاج أكتر من إنه يتكلم ، يعبر عن نفسه وعن ضعفه وعن شعوره بالعجز "من جوا" ، قناوي عامل زي "كبايات عصير قصب مليانة ع الآخر .. والخلق مبتشربش" .. اللي بيحب ومش طايل واللي قلبه مليان بس محدش شايف 

"حتى لما الواحد يحاول يفتح قلبه بجد محدش عايز يسمع"

عشان كده تأديته لقناوي مكنتش مجرد حنين للتمثيل أو حباً فيه قد ما كان لإن الشخصية بتعبر عنه وبتعبر عن إحساسه وقتها ، لما بعد كل ده محدش سمع .. والفيلم فشل .. حس إن الكلام فضل مخنوق جواه



بعدها اتجوّز كوليت بحضور فاتن حمامة وعمر الشريف نفسهم ، ورعم إنه حب كوليت فعلاً وفضلت معاه لآخر عمره زوجة وحبيبة .. بس فضلت فاتن في مكانة تانية محدش قدر ياخد مكانها .. فضلوا قدام الناس أصحاب بيقربوا شوية وبيبعدوا شوية بس هو وهي كانوا عارفين كويس إنه عمره ما بطّل يحبها ، حتى لو فضلت تسميه لآخر لحظة "صديق الصبا العزيز"

****

جميلة / تفيدة



"قوليلهم قد إيه بحبك انتِ وأخوكِ ، قوليلهم إني مخبيكم في قلبي وعارف قلبكوا فيه إيه"

هل حكيت لكم من قبل عن تفيدة ؟؟

كان دايماً بيقول إنه مخلفش بس كل تلامذته واللي قربوا منه هما ولاده

بس مع ذلك دايماً باين – بالنسبة لي على الأقل – إنه كان نفسه يجيب بنت زي القمر تكون أقرب له من نفسه ، يحكيلها وتحكيله .. تقف قدامه راس براس أحياناً كتير .. تتفلسف عليه لما تتكلم بلسانه وتهزمه بمنطقه .. تسنده في الدنيا وتخليه دايماً قادر يستمر .. لما تحب تقول لحبيبها إن الحب مبيتأجلش وإن اللي يحب حد بجد يحبه "دلوقتي الآن حالاً فوراً" .. معندوش مانع تبوس حبيبها فوق السطوح عشان الحب مفيهوش كسوف .. عايزها تحب على قد ما تقدر بس عمرها ما تيجي على نفسها ولا تكون ورا حد .. "تخاف قلبها يرضى تكون تابعة عشان عقلها عمره ما هيرضى بده" .. عايزها تاخد منه كل حاجة حلوة وتسيب عقده وهواجسه على جنب .. تشبه في جمالها جمال إسكندرية عشان طبيعي هتتولد هناك .. ومتبقاش شبهة من برة خالص بس لو حد قال كده قدامها تتعصب وتقول "لأّ بقى ده أنا أبويا قمر وأنا شبهة الخالق الناطق ، حتى شوفوا" : )

****

محسن



"زي الجنايني زرعت ورويت واللي يزرع يحصد ، خد علم وخد تربية .. خد حب وانتماء ، عشر سنين لما أكبر موهبة أنا عرفتها"

جرح القلب ونوره !

"لما عمل دوري اتلخبطت ، مبقتش عارف ده أنا ولا هو ، جايز هو كمان اتلخبط"

محسن بالنسبة ليوسف مكنش مجرد ممثل كويس اتعرف عليه وانبهر بيه وشاف فيه موهبة فذة ونادرة ، محسن هو الابن اللي مخلفوش .. والحلم اللي ضاع منه ورجعله تاني ..

طول حياة يوسف كان فيه حلم كبير جواه وللأسف مقدرش يحققه ، الحلم ده كان إنه يعمل نسخة خاصة من هاملت يطلع فيها كل هواجسه وخوفه وجروحه ، عشان كده هاملت كان دايماً موجود في كل حاجة .. من أول بابا أمين لحد إسكندرية كمان وكمان ونسبياً في المهاجر والمصير ، بس برضه مقدرش يقول ويعبر عن كل حاجة ، جايز عشان وهو صغير كان خايف وجايز كمان مقدرش لظروف الإنتاج وظروف السينما وقتها لإنه مبقاش مهم بالقدر اللي يسمحله بالاستقلال الكافي ، بس فضل الحلم موجود .. ولما بقى يقدر ينفذه .. هو نفسه كبر على ده ، مبقاش يقدر يمثل دور هاملت ولا شاف حد تاني ممكن يمثله ويحس وهو بيعمله إن ده ( هو ) ..

محسن الوحيد اللي يوسف حسّ فيه بإمكانية إنه يتصالح من خلال مع كل شيء ، مش العلايلي ومش نور ومش عمر ومش محرز ومش شكري ومش أي حد تاني ، كل دول كانوا ( حتة من هاملت ) ، لكن محسن كان هاملت نفسه .. كان يوسف نفسه ، الابن والصاحب والممثل وشريك الحلم ، خلاه حتة من قلبه .. يمكن كان مع فاتن أكتر اتنين قدر إنه يحبهم ويحاول من خلالهم إنه يتصالح مع كل جروحه اللي جوا

ثم ....

"ثم صمت مطبق وكأن شيئاً لم يكن" *

"مرة واحدة أستيكة كإن مفيش حاجة حصلت ، كإنه واحد تاني معرفوش"

ستنكرني عند صياح الديك ، وقد أنكرتني يا أعزّ الأصدقاء .. يا أقرب الأقرباء *

إزاي قلبك مرة واحدة اتملا بكل القسوة دي .. إزاي بس ؟

"لو أطول الحتة القاسية في قلبك كنت كلتها بسناني"

ده البٌعد ذنب كبير لا يُغتفر .. مهمكش تغفره ؟ ولا انتَ مسمعتش – يا غايب – حدوتة حتتنا ؟؟

بس بيعجبني دلوقتي لما أشوف الحدوتة ، أشوفها ناقصة حتة ، أفتكر محسن ( 77 – 90 ) .. الواد الشقي العفريت اللي قلبه مليان حبّ وحنيّة .. اللي بياخد الدنيا في حضنه ويجري ورا أحلامه مهما بعدت عنه .. اللي بيتنطط تحت المطر ويخلي العالم يغني معاه .. أشوفه ( يحيى ) ( هاملت ) ( عوكة ) .. زي ما كان يوسف حابب يشوفه دايماً

****

الناس



"كل اللي أنا عايزة من الناس إنها تفتح لي قلوبها زي ما فتحتلهم قلبي ، إنهم يبقوا طيبين .. يعرفوا يسامحوا على قد ما عرفت أحب ، بيقولوا عجوز مخرف موسوس بالحب ، عجوز يمكن ، بس اوعوا تقولوا عن الحب والتسامح وسوسة .. وإلا تبقوا انتوا اللي موسوسين من جواكم" **

يخرب بيتك يا يوسف 

مين اللي قال إن البُعد هيخبيك ؟

"انتَ تملي معانا وحوالينا وبينّا .. موت مين ده يا جو اللي يخبيك منّا ؟"

كل سنة وانتَ هنا يا واد يا إسكندراني .. واللقا مكتوب وجاي .. بعد خمس سنين أو خمس تيام أو خمس دقايق .. مين عارف ؟!

****

ثُم ....

خليته في خيالي كإنه ضل الحق
كإنه شجرة نبق
خليته في خيالي كإنه ريحة ريف
مبقتش تعرف طريق واشمها في رغيف
خليته ابني وأخويا في عيشة غير العيشة
خليته لبس خفيف
خليته رقص ومغنى
حولته من إنسان إلى معنى
وخرجت منه .. لقيتني داخل إليه
وبرضه ...
.... معرفتش أنسى عينيه



====

- العنوان : صلاح جاهين
- أبيات المقدمة : فؤاد حداد
- أبيات الختام : أمين حدّاد
- الأجزاء الملونة : من أفلامه
- * شكسبير .. هاملت
- ** يوسف .. حديث سنة 1988


03 يناير 2009

آه .. مش ألف مرة لكن ألف آه




كنت مش قابل .. أكيد مش قابل

يدبحوا الشجر اللي كان والدي

يدبحوا الشجر اللي كان طيني

يدبحوا الشجر الفلسطيني


---

* الأبيات : فؤاد حداد – قصيدة النبض
كُتبت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان
 عام 1982
 
** الصورة : من جنازة الشهيد نزار ريان القائد بحركة حماس والأستاذ في الجامعة الإسلامية بغزة والذي سقط شهيداً مع ثلاثة عشر من أفراد أسرته بعد رفضه إخلاء بيته رغم علمه باحتمالية قصفه بالطائرات الإسرائيلية
يناير 2009