09 أكتوبر 2013

في ذكر مينا دانيال


يوم 29 يناير الصُّبح نزلت ميدان التحرير الساعة 9 تقريباً، كنت روَّحت الليلة اللي قبلها قُرب الفَجر على بيت صَديقة قديمة عشان أعرف أَطَمّن أهلي وأطمن على أصحابي في ظل إن التليفونات مَقطوعة، وكُنت مُحبط جداً عشان آخر مشاهد من الليلة اللي قبلها –رغم ملحمية 28 يناير- كانت كابوسية جداً، خطاب مُبارك.. مُدرَّعة الجيش اللي وصَّلت ذخيرة للداخليَّة.. صوت القنابل اللي متوقفش لحد ما مشيت.. والسؤال عن انحياز المؤسسة العسكرية هيكون للنظام ولا للانتفاضة الشعبية اللي بقت ثورة من كام ساعة، والراجل اللي كان بينَهْنَه جوا نفسه في مركز «هشام مُبارك» واحنا بنسمع خطاب مبارك والاشتباكات مع مُدرَّعات الجيش في الشارع، صورة ضيّقة كده اتحاصرت جوَّاها كانت مخليَّاني قلقان ومُحبط في اليوم اللي بقى بعد كده أعظم يوم في حياتي/حيواتنا

بالخلفية دي، لما نزلت الميدان، كان مُجرَّد إننا لسه متجمَّعين وموجودين أمر عَظيم، سمعت صوت القنابل والرصاص لسه مُستمر في شارع محمد محمود، رُحت على هناك، دي المَعركة الصغيَّرة اللي تاهت وسط ملحمية 28 يناير وموقعة الجمل –رغم إن أعداد الشهدا مثلاً فيها كان أضعاف عدد شُهداء 2 فبراير-، الداخلية كانت بتتعامل بافترا وتجبُّر شديدين باعتبار إن مفيش حاجة تانية تخسرها، عددنا كان قليل جداً، كل شوية واحد يُقع برصاصة في دماغه أو صِدره، بس الناس ثابتة عشان تمنع أي قوات من إنها تِدخل أو تقرَّب الميدان –نفس الصورة اللي اتكررت بعدها بـ10 شهور؟!-

بعدها حَصَل هُدْنَة، نَقيب جيش تدخَّل بين الداخلية والمتظاهرين، الضرب قَل، رجعنا الميدان، الضرب بيحصل على فترات مُتقطعة، توقف في ساعات النهار، رِجع في فجر يوم 30 بقتل مُتعمّد لأي حد بيقرّب من الشارع، لحد ما العدد زاد جداً ظُهر يوم 30 وبقى فيه انتصار واضح بالناس، الجيش حُيّد شعبياً بهتاف "إيد واحدة"، والداخلية انسحبت تماماً من المُحيط ده، واتقال إن حبيب العادلي خَرج متنكر في زي نسائي عشان يعرف يطلع من الوزارة

.
.

يوم 9 أكتوبر كان أول أيام قطم الضهر الكبرى في الثورة، القهر مش إن الناس تموت، عشان كده "محمد محمود" شيء عظيم، فيه نديَّة ومُقاومة رغم الموت، بس القهر الحقيقي إن الناس تداخد على خوانة وعلى غفلة، زي ما حصل في ماسبيرو وزي ما حصل في إستاد بورسعيد، ولما نضيف فكرة استباحة الدولة لأقلية دينية وتنمية مشاعر الفتنة عند الناس عشان اللي حصل يعدّي.. فالأمور في ماسبيرو كانت أكبر من التحمُّل

بَظُن دايماً إن الأحداث الكبيرة في الثورة بترتبط من غير ما نَشْعُر بصورة، شَهيد أو شخص ما، بالنسبة لي عَ الأقل ده بيحصل طول الوقت، عين حرارة في محمد محمود أو الشيخ عماد في مجلس الوزرا أو أنس في بورسعيد أو جيكا في محمد محمود التانية أو الحُسيني في الإتحاديَّة أو أسماء في رابعة، وصورة مينا دانيال كانت كل شيء بشأن مَذبحة ماسبيرو

نَهْنَهة الناس بصوت خفيض في التأبين اللي اتعمله في مسرح روابط بعدها بأيام، المسار بتاع حياته كشاب عادي جداً مُتعلق ومُرتبط بالثورة، أخته اللي فيها شيء من حِسُّه، صورته الحقيقية بعد ما مات بدقايق، وصورته الشعرية في قصيدة أمين حدَّاد لاحقاً كـ«شهيد مبتسم وبيشكر البنت اللي زغرطت في جنازته»، وجملته العَظيمة اللي بتختصر كل شيء في الفيديو اللي اتنشرله بعدها «ليه الثورة جميلة وحلوة وانتَ معايا؟»، ده اللي تبقَّى لَنا من مينا، اللي بقى –مع الوقت- رَفيق بَحمله ذكريات حتى لو عُمري ما شُفته

عشان كده لما اكتشفت بعد سنة وأربع شهور إني فعلاً شُفته.. كان شيء مُدْهِش

.
.

في ذكرى الثورة التانية، يناير 2013، بسَّام مُرتضى اقترح عليَّ نِعمل حلقات متتابعة للمصري اليوم، 18 حلقة على مدى الـ18 يوم، نستغل فيها الماتيريال الضخم اللي موجود عندنا في تأريخ الثورة، لأسباب كتير الشغل ده.. الساعات الطويلة اللي قعدت أتفرَّج فيها على ماتيريال الـ18 يوم.. وشعور استعادة الثورة اللي كان بيَغمرني وقتها.. كان من أعظم الحاجات اللي حصلت لي السنة دي

من ضمن الأسباب دي، أهمها في الحقيقة، لما شُفت ماتيريال يوم 29 يناير، اكتشفت إن نَقيب الجيش اللي وقف بينا وبين الداخلية هو ماجد بولس، الشخص العظيم اللي عرفته بعدها بأربع أيام في موقعة الجَمَل، وعندي ليه حكاية كبيرة بالنسبة لي هحكيها يوماً ما، واكتشفت كمان إني كُنت بجوار مينا دانيال يومها طول الوقت


مش عارف أصف كنت حاسس بإيه، أو تحديداً مش عارف أصف اللي شَعُرته بحياد عاطفي مفيهوش مُبالغة، بس أنا حسّيت إن بقى فيه ذكرى ما بينا تِسمح لي أقول إني كنت أعرفه "ده إحنا حتى كنا مع بعض عند الداخلية يوم 29 يناير الصبح"، وحسيت.. بقامته الثابتة وعلامة النَّصر اللي بيرفعها في «شارع محمود محمود» وقدَّام «كوستا وبينوس» تحديداً –في خلفية الصورة- كإنه كان موجود معانا طول الوقت في الست أيام من 19 لـ25 نوفمبر 2011، كإن الزَّمَن اتحرَّك، كإن الصورة –اللي لو مقلتلكش إنها في يناير مش هتعرف إنها مش في نوفمبر- إثبات إنه كان بالجوار، وأن رُوحاً لم تُبارِح هُنا

.
.

-محمد
مينا
ليه الثورة جَميلة وحلوة وانتَ معايا، ويُضاف إلى ذلك.. هِناهو هِناهو هَنشنقه هِناهو.. في تمارين الصباح إن شاء الله

08 أكتوبر 2013

خمسة أو ستة مسلسلات مفضّلة لأجلِ "بريكينج باد"




تعريف المُسلسل العَظيم بالنسبة لي هو إنه المُسلسل اللي بعد فترة من المُشاهدة تبتدي تتكلم عن شخوصه بأسماءهم فيه مش بأسماء المُمثلين، وتتوَرَّط جوَّاه لدرجة الاهتمام بمصائرهم والحَديث عنها ومُناقشتها، ويتحوَّل في لا وَعيك تدريجياً لإنه حاجة حقيقية بتحصل مش عالم مُختلق

عندي نظرية إن مُشاهدة المسلسلات أسهل بكتير من مشاهدة الأفلام، وإنك تشوف 10 حلقات متتالية من مسلسل متابعه أسهل من إنك تبدأ فُرجة على فيلم، عشان الأمر مُتَعَلّق بالتعرُّف على العالم، في الأفلام فيه عالم جديد بيُبْنَى في أول 15 دقايق.. مِحتاج مَجهود منّك في التورُّط قبل ما تبدأ مرحلة "الفُرجة".. وإدراكك ,وتعلّقك بالعالم ده مُرتبط بحاجات زي مَزاجَك اللحظي مثلاً، في المُسلسلات انتَ غالباً بتدرك عالمها من أول حَلقة.. وحتى لو مسلسل وِحش بس انتَ سَهل تتابعه من أي نُقطة عشان عارف حدود العالم اللي بتتحرَّك فيه فمفيش مَجهود بتبذله عشان "تتفرَّج"

في المُسلسلات الأجْمَل الأمر بيتجاوز لاحقاً نُقطة «الفُرجة» وقد إيه هيَّ سَهْلَة لليفل الــ«مُعايشة»، التعريف اللي في أول فقرة يَصلح كمُرادِف ما للكلمة، وكمرادف آخر فمثلاً في آخر السيزون التالت من مُسلسل مُفضَّل كنت بتكلم مع شريف وفضل عنه.. فشريف قال إنه «بطَّل يقيّم اللي بيشوفه درامياً، بقى بيتقبله كإن حد بيحكيله حكاية حقيقية حصلت، مش هيقعد يحسبه بالمنطق، هو بيصدَّقه زي ما هو

عشان كِده المُسلسلات عالم عَظيم، بشكل شخصي أنا واقِف على حافته تماماً، عدد المسلسلات اللي شفتها في حياتي قليل جداً مقارنةً بالموجود، والمسلسلات اللي شفتها في آخر 5 سنين مثلاً تُعَد على أصابع الإيد الواحدة، ربما للوقت اللي بتحتاجه للمُشاهدة، والحِسبة دي بتاعة إن «مشاهدة مسلسل واحد كامل ممكن تساوي مشاهدة 30 فيلم» ولعَظَمة حاجات تانية مُقابلة في السينما بتخلّي الكفَّة تَمِيل ليها رغم استثنائية احتمالات التورُّط والمُعايشة في المُسلسلات.

بس تقديراً للتلفزيون والمُعايشة والمُسلسلات العَظيمة، حابب جداً إني أكتب البوست ده قبل 3 أيام من الحلقة الأخيرة من «Breaking Bad»، اللي مُمكن أدَّعي إنه أعظم مُسلسل شُفته في حياتي، وواحد من أهم تجارب المُشاهدة والتورُّط والشَّغَف اللي مرّيت بيها بشكل عام.

 

كنت بفكَّر إني عايز أكتب عن المسلسل نَفسه، وأتمنَّى إني أعمل ده يوماً ما، قريب أو بعيد، بس لما حاولت كنت حاسس إنّي مُنْغَمِس تماماً لدرجة إن مفيش حاجة تتقال، أنا في أكبر مراحل إن «حد بيحكيلي حكاية بصدَّقها زي ما هيَّ»، والاهتمام بمصير «والتر» و«جيسي» في الحلقة الأخيرة أهم من إني أبدأ أتكلم عن قد إيه كانوا رِفقة في رِحلة طويلة في صحرا «ألباكركي» خلال 61 حَلقة.

فبدلاً من كده، ولإن «بريكينج باد» تحديداً بيرفع جداً من قيمة «عالم المُسلسلات» والسبب اللي ممكن تِحكي عشانه حكاية في 50 ساعة بدل ساعتين، ففكرَّت إني أستعيد قبل حَلقته الأخيرة مُسلسلات مُفضَّلة ومحاولة التقاط تجارب مُشاهدتها، لأجلِ «والتر» و«جيسي» و«هانك» و«جَس» و«سول» و«مايك» وكل الأوقات الجيدة والعَصيبة اللي حصلت خلال سَنة من حيواتهم وآخر 6 شهور في حياتي.


ملحوظة: هَتكلم عن المُسلسلات العربي الأقرب ليَّ عشان هي الأهم في سياق مُشاهداتي، وبتحقق بشكل دَقيق فكرتي عن الأعمال التلفزيونية العَظيمة، خصوصاً لما إن فيه زَّمن عَدَّى على رؤيتي ليها.. بيخلّي شخوصها وأحداثها «ذكريات» حكاية حقيقية شُفتها يوماً ما.

. .

- أوبرا عايدة (أسامة غازي وأحمد صقر - ೨೦೦೦):



لسَّه فاكِر كويس مُشاهدة  أول حلقة من المُسلسل لأول مرة على قناة «نايل تي في» سنة 2000، إزاي كان شيء مُدْهِش جداً عن كُل اللي أعرفه قبل كده، بدءً من أغنية عَفاف راضي في المُقدّمة بتلك الخفَّة العَظيمة، مروراً بكل التفاصيل الصغيَّرة من أول لَحظة: البيت القديم اللي بيتهز لما الترام يعدّي، المحطَّة المتسميَّة باسم «سيد أوبرا»، صورة حَبيبته المحطوطة ببروزا جنب السرير وهو قاطع منها جوزها اللي واقف جنبها، علاقته بـ«الفيل» وحركته في المَدينة كلها كأنَّها بَيت أبيه.

لاحقاً كانت كل تفصيلة في كل حلقة بتدعّم قد إيه ده مُسلسل مَفيش زيُّه، عالم «إسكندرية» اللي بيتخلق هنا مُمَيّز جداً، رغم اعتماده برضه على فكرة إنها «مَدينة مَفتوحة»، بس وِسع الأرضية اللي بيتحرَّك فيها، وتَشابُك مصائر شخصياتها، ودقة كل شخصية وإزاي مَرسومة بتفاصيل نَضِرَة جداً لدرجة إنك سهل تفكَّر أي حد شاف المسلسل من زمان بيها، عوضاً عن الشكل ده من «الملحميَّة الصغيرة» اللي بيمشي فيه في حلقاته الأخيرة. كل شيء هنا كان جَميل فعلاً.

فاكِر إني كُنت مَبهور بإنه أول مسلسل لمؤلفه «أسامة غازي» وكان بسهولة ممكن تتوقع إنه «ذا نيكست عُكاشة»، فاكِر إني اتصدمت لما مات بعدها بسنتين من غير ما يَترك إلا مسلسل تاني مَكتوب، فاكر إزاي مَحَبَّة وقيمة «أوبرا عايدة» كانت بتزيد مع كل مشاهدة على مَدار السنين، وإني مع الوقت بقيت متأكد إن ده المُسلسل الأقرب لقلبي.


- أنا وانتَ وبابا في المشمش (أسامة أنور عُكاشة ومحمد فاضل- 1989):



المُسَلْسَل الفَلْتَة

بفكَّر إن مَفيش فنانين في تاريخ التلفزيون المَصري كانوا أحرار وهما بيعملوا مُسلسل زي عُكاشة وفاضل في الحاجة الاستثنائية اللي حَصلت هِنا في خَطف من الزَّمَن

على مستوى الكِتابة، أكتر حاجة بتبهرني في المُسلسل هو إزاي إن العالم عمَّال يكبر كل شوية بـ«عبدالباقي الجوهري» وبنته و«بشير»، من مواجهة مع مُدير المؤسسة «السمري بيه»، بتتسع لمُتحكم رأسمالي في المَدينة «أبو صالح»، وبتوصل –ببنا درامي عَظيم- لإنها حاجة بكبر حَجم بلد كاملة مع «صديق عَشَم الخير» و«لبيب شَطَا» و«مدحت السرنجاتي» و«باهر الأمير» (ماذا عن الأسماء أصلاً؟! شوف مشهد تقديمهم العظيم في الحلقة التامنة)

الحاجة التانية إن المُسلسل هو مُواجهة كلاسيكية بين الخير والشر، ناحية فيها «جوهري وبنته ويوسف ونجاتي وبشير» والناحية التانية فيها عصابة الستة، والشر مُتَحَكّم وأقوى بكتير، بس على عكس أغلب المسلسلات المصرية اللي بتجتر المأساة بغُلب الخَيّرين، فالخير هِنا واسِع الحيلة جداً، ما يَنقصه من قوة بيعوَّضه بالذكاء، وبتبقى المُعادلة متكافئة طول الوقت، الإيقاع مَشدود ومُحتمل أي حد يكسب. لعبة مُفضَّلة لعُكاشة عن موازنة القوى وصلت ذروتها هنا في رأيي.

المُعطيات دي كافية لوحدها إنها تِطلع مُسلسل حِلو، بس ده مُسلسل فَلتة فعلاً، الشكل الفنّي اللي اختاره عُكاشة بعد أربعة من نجاحاته الكُبرى (من ضمنهم مَلحمة «ليالي الحِلميَّة») كان حُر فعلاً، ومعنديش كلمة تَصفه غير «الحريَّة» والقدرة على اللّعب، «مشاهد الحوار الغنائي أشعار أسامة أنور عكاشة» وتنفيذ فاضل ده بالقدر المُناسب من الخفَّة وأصوات الناس اللي بتتآلف معاها وأيقونيّة حسن عابدين والمنتصر بالله ومن بعدهم كل المُمثلين بلا استثناء.


- الشهد والدّموع (الجزء الأول) (أسامة أنور عكاشة وإسماعيل عبدالحافظ 1983):




شُفت المُسلسل لأول مرة في يوليو 2010، كنت بتفرَّج عليه مع جدتي، وفي نُص الفُرجة توفَّت، كنت مُمتن إن دي الذكرى الأخيرة، بالليل كنا بنشوف الحَلَقة.. بعدها بكام ساعة ماتت صباحاً في سَكينة، الله يرحمها

على عَكس المُسلسل اللي فات، «عُكاشة» هنا، وفي أول مراحل تكوُّن أسطورته ومسيرته الاستثنائية، كان مُنتمي تماماً لكل قواعد الدراما الكلاسيكيَّة، وبيحقق فيها ذروة حقيقية في التلفزيون المصري وقتها

أنا مبحبش الجزء التاني خالص، عشان لما العالم بيكبر بتفلت منه شخصيات الأبناء وبيعمل غلطته المُفضَّلة إن الناس تنقلب تماماً عما كانت عليه، عوضاً عن كَم الميلودراما الزايدة اللي مَلأ بيها الأحداث، أنا بَقفل من مُجرد تذكر عبدالمنعم إبراهيم مثلاً!، كان جزء تاني سيء فعلاً

بس في المُقابل، في الجزء الأول من المَلحمة، بين حافظ وشوقي، بين دولت وزينب، كان فيه دراما شكسبيريَّة عَظيمة فعلاً، حتى لما بتطوّر ناحية جوانب أكثر مأساوية، عُكاشة بيعمل –لأول مرة هنا- موازنة قوة الخير في مُقابل الشر، بخلق شخصية عظيمة زي «زينب»، بيكون فيه تَحيُّز من المشاهد نحوها، بس مش منبعه الشفقة خالص –على عكس المسلسلات العربي برضه- بس مَنبعه إنها شخصية قوية وصَلْبَة مش بتراوض في حقها ولا بتهادن عشان توصله، وفيه ثقة منّا نحوها إنها هتتصرف وتربي ولادها كويس ومش هتنكسر، أقوى شخصية نسائية في مسلسل غالباً؟

فاكِر إني سَقَّفت، حرفياً، في آخر مَشهد من الجزء الأول، لما دولت بتروح لزينب البيت، وتاريخ طويل عُمره 10 سنين مثلاً بيترمي عَ الترابيزة، لما بتقولها إنها عارفة إنها كانت بتحب شَوقي ونفسها تتجوّزه وقرت الرسايل اللي كانت منها ليه، كإن ده السّر الكبير اللي بيتكشف وبيخلّي لكل حاجة شفناها مَعنى أكبر، ولما دَولت بتتزن من المفاجأة، الشخصيتين بيقفوا قدام بَعض بتحدّي ورهان على المُستقبل، «ولاد زينب وشوقي هيبقوا أحسن من أولاد دولت وحافظ»، خسارة إن الجزء التاني كان وِحش والله، بس الأولاني هيفضل بالنسبة لي دراما كلاسيكية عَظيمة.


- الزيني بركات (يحيى العلمي ومحمد السيد عيد 1995):



التعريف الأعظم، وربما الوحيد، للملحمة التاريخية في التلفزيون المصري؟

فاكر إني لما قريت الرواية، بالزَّخم اللغوي اللي فيها، في المرة الوحيدة اللي «جمال الغيطاني» يُظبطه عشان يخدم على النَّص والحدث مش مُجرد فائِض، كنت شايف صعوبة شديدة في تحويل اللي بيحصل لوسيط تاني.

لما شُفت، كنت مَبهور تماماً، الدّقة دي في كل التفاصيل، والقدرة على تحويل تداخلات النَّص وتعقد أحداثه لصورة مَلحميَّة كبيرة فعلاً.

الرواية بالنسبة لي هي مُساءلة واحد من جيل الستينات ومُنتمي للتجربة تماماً للقهر السياسي والاجتماعي اللي حصل أثناءها، من خلال الاعتماد على التشابهات التاريخية بين الوقت ده وبين السنين الأخيرة قبل سقوط دولة المماليك. المُسلسل كان أكثر تحرُّراً من إيجاد التشابهات دي، وده خلاّه –بشكلٍ ما- أكثر عموميَّة في تناول العلاقة بين الحاكم والمَحكوم. وخَلَق صورة أيقونية مُناسبة للـ«الزيني بركات» بقدر الرواية.

مُسلسل مُدْهِش، وممثلين كبار في المرّة الوحيدة يمكن اللي كان عندهم مساحة يعبروا عن قد إيه هما ممثلين كبار.


- أحلام الفتى الطائر (وحيد حامد ومحمد فاضل – 1978):



عايز أفتكر إذا كانت أيقونية عادل إمام، حركة إيده على مناخيره قبل ما يتكلّم، تقطيعاته للجُمَل وطريقته في الحوار، القدر ده من الخفَّة و«الكولنيس»، بدأت هِنا الأول ولا في حاجة أسبق

بداية الشراكة طَويلة الأمد بين وحيد حامد وعادل إمام كانت في التلفزيون مش السينما، حكاية بَسيطة، وسينمائية أكتر منها تلفزيونية، لشخص بيتفق مع دكتور في مستشفى الأمراض العقلية على إنه يدخل هناك هروباً من جريمة ما، وبعد ما بيدخل الدكتور بيموت وبيلاقي نفسه مُتَوَرّط ومفيش قدامه سبيل غير الهَرب مع مريض تاني دخل المُستشفى ظلماً.

الحكاية البَسيطة دي بتُمنحها التفاصيل زَخَم شديد، مش فاكر كل تفاصيل المسلسل بس حاسس في روحه إن «مسلسل طَريق»، مش عارف فيه تعبير كده ولا لأ، بس هو في السينما فيه «رود موفي»، الأفلام اللي بتدور في الطُّرق والرحلات وبتكتسب قيمتها من اللي بيقابله البطلين –غالباً بيكونوا 2!- أثناء رحلتهم، الأمر هنا مُشابه.

بس الأهم من الزَّخَم جه حتى هو خصوصية المُمثلين اللي كانوا هنا، الدّقن والمليجي وصلاح منصور ونجاح الموجي وسعيد صالح، وعادل إمام قبل أي حاجة، وأيقونيته اللي بدأت هِنا، «اسمي إبراهيم» *يَعقد يديه على شكل عَصفورة* «إبراهيم الطاير».


- رأفت الهجّان (الثلاثية) (صالح مرسي ويحيى العلمي – (1987-1991):



 ليه المُسلسل ده تحديداً، وفي 3 أجزاء، فَلَت من ابتذال الأفكار الوطنيَّة وحكايات ملفّات المخابرات السخيفة وعدّى بكليشيهاته العَديدة لإنه يبقى شيء كلاسيكي عالي القيمة للدرجة دي؟

معنديش إجابة واضحة إلا التقدير الشديد لأيقونيَّة كل تفاصيله، بدءً من موسيقى عمَّار الشريعي –كنت بفكَّر في التعليق أكتب بس مُجرد "تيرارا را را را را را تارارا" وبعدين حَسيته سُخف فمعملتهاش بس كان تقدير للموسيقى كاختصار لأيقونية كل شيء هنا-، مروراً بإن المسلسل بقى المَرجعية عند المصريين لتفاصيل المُجتمع الإسرائيلي ومحدش بقى مُهتم فعلياً –أو أنا عن نفسي- في تبين مصداقية الصورة المَرسومة من كتر ما هي حِلوة، عظمة الشخصيات اللي لسه مَحفوظة بأسماءها لحد دلوقتي، والعلاقات اللي مَكتوبة وأُخرجت برقَّة بالغة حوّلت أي كليشية لمشهد حلو وباقي في الذاكرة.

وطبعاً محمود عبدالعزيز، الكاريزما الأعظم بين كل المُمثلين المصريين في واحد من مساحات تجليَّاته العظيمة.
.
.

ذِكر شَرفي: كل ما لم يتسع المجال لذكره لعكاشة (ليالي الحلمية (أول 3 أجزاء)، أرابيسك (أيام حسن النعماني)، رحلة السيد أبو العلا البشري (ج1)، زيزينيا (ج1)، الرّاية البيضا)



 ملحوظة: كان مفروض النوت تكون 5 مسلسلات، بس سَرحت في الكتابة وطِلعوا 6، فغيَّرت العنوان على وَزن أحد أفلام جودار
ملحوظة تانية: كَتبت البوست من 10 أيام، قبل عرض الحلقة الأخيرة، بس منزلتوش هنا غير دلوقتي لدواعي الكَسَل مش أكتر، ومحبّتش أغيَّر في الإشارة الزمنية اللي موجودة فيه


09 سبتمبر 2013

مشروع ليلى.. نوح يُبحر بسفينته وحيداً


أو: "مثل سيرة ذاتية للتلات سنين اللي فاتوا في حياتي"



بين الإسطوانة الأولى التي صدرت لفريق «مشروع ليلى» عام 2010، وحملت اسم «مشروع ليلى»، وبين إسطوانتهم الأخيرة «رَقّصوك»، التي طُرِحَت قبل عدة أيام، فكرة واضحة ومُستمرة عن «الخلاص الفردي» من هلاك المُجتمع، كمثلِ فرارِ نَبي من قومِه، والنجاة بذاته في البريَّة، بعيداً عن القريةِ الظالمِ أهلها.

ولكن ما يبدو للوهلةِ الأولى من تشابه في النتيجة النهائية، شعور الوحشة والغربة بداخل الوَطَن، ومُحاولة النجاة بشكل فردي، يُظْهِر من وراءه، وبشكلٍ واضح، خلافاً جوهرياً في «المَزاج العام» الذي يَقف وراء الأغاني، ثم، وفي نُقطةٍ أعمق، يحمل «الخلاص» نفسه معنى متبايناً في المرتين.

في 2010، كانت «الطاقة» التي تحرك أفراد الفريق، وفي تِسع أغانٍ ضمها عملهم الأول، هي الغَضَب والضَّجَر، العالم وقتها، وعالمنا تحديداً، كان في دائرة مُغلقة، تدور وتدور دون انقطاع، «صرنا خمسين سنة من حارب
/الحرب نفسها.. ما مننسى»، هذا الشعور بالثبات وعدم الحَركة وَلد الضَّجَر: «كأني عارف المكان/وشكلي ملخبط بالزمان» وتبعه الغضب من كل شيء: «قرفنا الدَّيْن/تعبنا الذّل/شتقنا الجوع/شبعنا من الخرى»، ليكون الألبوم هو نتاج كل هذا، انقلاب لاذع على كل ما يتم التعامل معه، وفي أغلب الأحيان، باعتباره من المُسلَّمات، ما يَطال الحَرب والشوفينية والموسيقى والقِيَم السَّطحية للمجتمع، في مُقابل انتصار كامل للفرد، المواطن في مواجهة الوطن، والأقلية في مُقابل الجماعة، الحُب المِثلي في «شِم الياسمين» أو اختلاف الدّين والفوارق الاجتماعية في «فساتين» أو هجائية الفقر والقهر في «إم بمبليلح» وقصة العم «بو مسعود».

مع نهاية الألبوم، يبدو أحد المُقترحات الوَجيهة لـ«خلاصٍ فَردي» هو الهجرة، «جاي عَ بالي سفر
/لحالي أهاجر/غيّر لون شعري/زبط مكياجي/خبي باسبوري/وحدي»، لا مَعنى أن تنظر إلى السماء، إذ لا سماء هُناك. ولا يوجد هُنا، في 2010 وفي الألبوم الأول، شعور بالانتماء أو أي عاطفة تجاه الأرض أو الوَطَن، فقط الكثير من الغضب الذي يَدفع صاحبه للذهابِ بعيداً، خصوصاً مع الإيمان بأن شيئاً لن يتغيَّر، فقد «وعدتيني بشي ثورة/كيف نسيتي.. كيف نسيتيني؟»، ولم تَحدث أي ثورة، وفي 2010 لم يكن من المنتظر أن تحدث.

ولكن ما جَرى بعد ذلك كان أن بائعاً مُتجوُّلاً في إحدى الأحياء التونسية الفقيرة أشعل النَّار في نَفسه، وما ظُنّ في البداية أنه حادثة صَغيرة غير مُهمة، لن يُفرد لها أكثر من عمودٍ صغيرٍ للتندُّر بأحد الجرائد، كان الجَمرة التي بدأت الحِراك الشَّعبي الأهم في تاريخ المنطقة، من حيّ إلى حيّ، ومن ولايةٍ تونسية إلى أخرى، قبل أن تُصبح «الثورة» مُنتجاً صالحاً للتصدير الخارجي، من تونس إلى مصر، ومن مِصر إلى عدةٍ بلدانٍ بالتوازي، كل شيء وقتها صار مُحتملاً، ودائرة العالم، عالمنا، قد انفتحت أخيراً، وعن آخرها، ليصير كل شيء قابلاً للتغيُّر.

ما جَرى في ذلك الشتاء العربي، مَطلع 2011، دَفع بوصلة «المَزاج العام» للتغيُّر بشكلٍ جذري، إعادة تعارف واسعة النّطاق بين الناسِ وأوطانهم، وبين النَّاس وأنفسهم، ومن رَوحِ ذلك أنتج الفريق أغنية مُنفردة مُهداه إلى «جيلِ الثورة» تحمل اسم «غداً يومٌ أفضل»، ككلِ ما يُمكن أن يُتاح من أمل، قبل أن يتبعها باسطوانته الثانية «الحل الرومانسي».

لم يتخلَّ الفريق عن سُخريته اللاذعة، أو مُحاولة تَفكيك المُتَّفق عليه مُجتمعياً، ولكن في تِلكَ المرَّة، منتصف 2011، بدا أن هناك «انتماء» ما لوَطنٍ يُتيح احتمالات عدَّة، كأن «يتزوّج المرء ويقرأ أنجلز في سريرِ زوجته» مثلاً، الفريق هنا يَعود للأرضِ التي قرّر هُجرانها في نهاية ألبومه السابق، وبدا أن أعضاءه، في عودتهم تِلك، يَبتسمون بخجلٍ بأن ذلك «حل رومانسي بس مش غَلَط»، حَل جماعي يأخذ مكاناً عوضاً عن الخلاص الفردي، وبشكلٍ واضح «قوم نِحرق هـَ المَدينة
/ونعمّر واحدة أشرف/قوم ننسى هَـ الزمان/ونِحلم بزمن ألطف» كما قالوا، وردَّد الآلاف خلفهم.

السنتين الفارقتين بين إسطوانة «الحل رومانسي»، والعمل الأخير «رَقَّصُوك» كانوا مساحة مُتسعة لانهيار الأحلام العظيمة، كل الآمال التي عُقِدَت حول الثورات العربية، واليَقِين المُلِح بضرورة تغيير العالم، ارتدوا عَلْقَماً، كأن الدائرة التي انفرجت في 2011 عادَت، بصورةٍ خاطفة، لانغلاقها من جديد، ومن جديد صارت تدور وتدور.

قبل عامين كان الجميع مُوقناً من الانتصار، لذلك فـ «رَقَّصوك» هو خلاصة خَيْبَات الأمل المتتالية، وهُنا يبرز الفارق الأهم بينه وبين «مشروع ليلى» في 2010، العمل الأول كان هجائية حادة، العمل الأخير هو مرثيَّة حَزينة، الأول لم تُرَ فيه السماء، الأخير هو عن سماء كانت واضحة ثم حُجِبَت، الأول لرُوحٍ لم يمسسها الحُلم، الأخير عن رُوحٍ خذلتها كل الأحلام، وبينهم.. هناك حكاية مُكْتَمِلَة عن ثلاثِ سنوات من حياةِ «جيل الثورة»، في خَيطٍ مَوصول لا يَنْقَطِع.

في كافة أغنيات «رَقَّصوك» هناكَ شعور جارِف بالهَزيمة، الألبوم يبدو كتجربة مُكتملة، مُعبرة تماماً عن اللحظة الراهنة، كل أغنية فيه هي جزء مُتَّصل بالآخر، في أغنية «بَحر»،التي تَرد في الخَتام، يسرد الفريق حكاية غامضة عن الأخ الذي «رأي السّر
/كان هَيْبُوح» قبل أن يَموت «أخويّ جوا الموج عَم بينوح» في تواطئ كامل من الجميع «والصيادين غافلين، خامدين، نائمين»، هل من المُمكن مُراوغة صورة الثلاث سنوات الماضية و«الأخوة» الذين ذهبنا معهم إلى البحربـ«حلٍ رومانسي» ولكنه «دَبّغ الموج بدمهم»؟

لذلك فإن الصُّمود الذي يَظهر أحياناً في الألبوم، أغنية «ونعيد» مثالاً، يظهر «بلا يأس ولا أمل»، مُواجهة مُستمرَّة، دون نهاية، لا تحمل يقيناً بيومٍ أفضل أو سّذاجة حل رومانسي، هو صمود من لا خيار له، ويُحاول فقط أن يُذكر من حوله بأن هناك خيارات أخرى مُتاحة لهم: «فينا نُرفض ناكل بعض
/فينا نقاوم/فينا نحلق فينا نِطير»، مُحاولة حقيقية للارتكاز على القيم التي حرَّكت الثورة، والتذكير من جديد «إذا منحمل الشتا المصير رح ييجي رَبيع».

مُحاولة استمالة وتذكرة الأطراف المُحايدة في «ونعيد»، تُصبح هجاءً صاخباً في «رقَّصوك»، تبدو الأغنيَّة صورة مُعاصرة لبطلِ رواية «جورج أورويل» الشهيرة «1984»، حيثُ، في الرواية، يُقال له أثناء تعذيبه بواسطة الحزب الفاشي أن الأمر لا يتعلق باعترافاته أو حياته كلها، ولكن بضرورة أن «يكون جزءاً من الكُل»، أن تُكسر إرادته، ويُصبح مؤمناً فعلاً بمبادئ وأفكار الحزب، وبعدها لن يُصبح له قِيمة، وفي كل المُجتمعات المُختلة يبدو همَّاً أساسياً عند الحاكم أن يصير المحكومون، جميعاً، على صورةٍ واحدة، وهو ما يحدث، تماماً، في الأغنية: «طاردوك وهذبوك.. ركَّعوك ودربوك
/تتحرك زيهم» «بالإيقاعِ استعبدوك.. برمجوك وعلموك/كيف ترقص زيهم»، ولا تداري الأغنية وَطأة الخذلان: «كان فيه خيار وانتَ رقصت/كنا أحرار وانتَ رقصت».

مع أغنية «للوطن»، تصبح الصورة أوضح دون أي إضافات: «وبس تتجرأ بسؤال عن تدهور الأحوال
/بيسكتوك بشعارات عن كل المؤامرات»، الدائرة عادت مُكتملة، كأن شيئاً لم يحدث، «خونوك القطيع كل ما طالبت بتغيير الوطن/يأسوك حتى تبيع حرياتك لما يضيع الوطن»، وهم في النهاية يريدون سَحق هويتك الذاتية، كمثلِ بطل «1984»، أن تصير «جزءاً مشابهاً للكل»، أو كما يقولون للمُغني في آخر غنوته: «تعا رقصني شوي»، كي يعلموه «كيف يرقص زيهم».

ووسط مَرثيات مُختلفة أكثر خصوصية وفردية، في «عبده» و«ما تتركني هيك» و«على بابه» و«بيشوف»، لا تخلو أغنية واحدة من الشعور بالهزيمة والثُّقل، وحين يَصِل الألبوم إلى أغنيته «تاكسي»، يَطرح الفريق «حلاً جديداً»، يُعلي من قيمة «الخلاص الفردي» مرة أخرى، وإن كان بصورةٍ مُختلفة تماماً عما كان عليه الوضع قبل ثلاث سنوات.

وسط هذا الجنون اليومي الذي يَعيشُ فيه العالم، عالمنا، يبدو الثبات على المواقف الصحيحة، والتي تكون هي الخيارات الأصعب في أغلبِ الأحيان، هو الحل الوحيد، ذلك هو ما يَخرج به الفريق من مُجملِ التجربة والسنوات الثلاث، ويتجلَّى تماماً في «تاكسي»، بدءً من صعوبة كل ما يحدث حولنا: «الطريق صعب وطويل وبيمتحن الروح» «كبر جسمي وصغر قلبي ليتحمل» «طعم الخل اللي لقيته بدل العسل»، ومروراً باحتفاظ المرء بذاتيته دون أن «يرقص» وسط الجموع: «فيك تسوق ما تنساق بيرجعلك الخيار»، ولا يبدو هذا خياراً بطولياً أو صموداً ملحمياً، فهو، كما جاء في «ونعيد»، مُقاومة بلا يأس ولا أمل: «شئت أو أبيت العربية راح تِمشي
/ومشوارك ما إلو معنى مثل كل شيء».

وحين تأتي آخر كلمات الأغنية: «هتموت
/غصباً عنك راح بتموت»، لا يبدو ذكر تِلك الحقيقة إحباطاً، بقدر ما هو محاولة دفع أخير نحو «الخلاص الفردي»، خلاص لا يتحقق بالرحيل أو الهجرة كما طُرِح قبل ثلاث سنوات، ولكن فقط ألا ترقص مثل الجميع، تَحمل خياراتك مهما خالفت «القطيع»، كمثلِ نبي استخف به قومه.. فحملَ رسالته وسارَ وحيداً.



- نُشِر المَقال في «المَصري اليوم» يوم 8-9 بعنوان مُختلف

31 أغسطس 2013

القاهرة، 31 أغسطس


إلى أندرش لاي ويواكيم تريه وشوارع أوسلو التي لم أرها
.
.

- فاكر أول مرة رُحت فيها السينما سنة 1997.. كان فيلم المصير في سينما أوديون

- فاكر شكل شارع السودان يوم التراب الشهير، لمّا المدينة اصفرّت في التسعينات، وفاكر إني كُنت خايف جداً وبفكَّر إن ده أكيد يوم القيامة

- فاكر إن ابن عمي مات واحنا صغيَّرين وهو بيلعب في منطقة بيعدي فيها قطر –منطقة مطار إمبابة-، وإن بعد كام سنة اتبنى سور وكوبري مُشاه حوالين القطر، وإن عَمتي عيّطت جداً أول مرة عِرفت عن السور اللي اتبنى

- فاكر إني في 2004 شُفت في جرنان يوم الأربع إن فيلم SideWays 
نازل في سينما واحدة في سيتي ستارز، وكنت حاسس إن مدينة نصر دي هي الناحية التانية من العالم، فمرحتوش

- القاهرة كانت دايماً كئيبة وزحمة أثناء العودة من السفر

- "كيف أصرّ على أن كلمة "حُزن" كانت دائماً أفضل من كلمة "حنين"


- أول مرة أمسك إيد بنت كان في المترو، وقتها بدا إن ده أهم من السفر عبر الزمن مثلاً، "كنا فرحين، ولازلت أتذكر ملمس يدها"

- وأنا طفل سرقت بونبوني من سوبر ماركت كان قدام بيتنا، وكنت حاسس بذنب شديد لما قفل بعدها بفترة، لاحقاً اتقسم لمحلين.. واحد سندوتشات والتاني حلويات

- السطوح، والعب عليه، والسمكري اللي تحت البيت اللي قَطع الكورة لما خبطت فيه مرة، وانتقاماً منه كنا بنغني بصوت عالي "عم محمد دوكو القرعة"


- فاكر تعب المشي 4 ساعات بين شوارع وسط البلد في مظاهرة ذكرى تأسيس كفاية يوم 12-12، بس مش فاكر بالظبط سنة كام.. 2005 أو 2006

- الإنبهار بالإعلانات المضيئة الضخمة في ميدان التحرير اللي كُنت بعدّي عليه بالأتوبيس مع أمي واحنا رايحين لخالتها في السيدة

- "كان الجميع مُوقناً من الفوز.. أتذكر مدى خيبة الأمل" 


- وأنا صغيَّر كنت حاسس المدينة دي كبيرة جداً ومش هعرف أجيب آخرها، دلوقتي عماله بتضيق بشدَّة لدرجة إني بحس أحياناً إن محدش عارف يتنفّس

- "أتذكر عندما قاموا بهدم مبنى فيليبس" 


- فاكر لما حرقنا مبنى الحزب الوطني

19 يوليو 2013

بعدنا طيّبين


في رمضانِ الماضي، كُنتُ أجلِسُ على نَفسِ المَكْتَب، وحيداً جداً، وحَزيناً جداً، أرى الدُّنيا من وراءِ ستار كالأَعْمَش، وأَبْحَث عَمَّن أحُادثه عن «أيامِ العَجَب والموت» التي تأبى أن تَنْقَضِي

كُنتُ أَخطو 13 خطوة نحو آخر طُرقَة الجريدة، وأَنسى ما خَطوت لأجله، فأعود لمكاني مرة أخرى


أنزِل إلى الشارع عقب الأذان، وأشرب الشاي على مَقهى فارغ، أشعر بثقلِ النَّفس الداخِل والخارج، وأنا مُوقِنٍ من أن صَدري لَن يحتمل لأكثر من ثلاثِ دقائق أخرى

أذهب إلى بيتِ فَضل، أو أعود إلى بيتِ أهلي، أُسَرْسِبُ حُزني على رُوحِ يوسف، وأُحادث صَديقة قَديمة آمَنتها بضعُ من نَفسي، أتوه في الشوارع التي أعرفها، وأركَب التاكسيات كل يوم لأن قلبي لا يقوى على مَشَقَّة ركوب المواصلات، وأخشى الرّيح.. لأنني هَشاً.. سأتهاوى إن مَسَّنِي

كنت أشعر أن العالم سَينتهي، لن يبقى لدقيقةٍ أخرى، ولكنه كان يَستمر، وكلما أظن أنه وصل لنقطته الأسوا، يأتي إلىَّ حاملاً المَزيد، حتى أنني لازِلتُ أشعر بثُقلِ القلب حين أتحدث عن تلك الأيام، أو أتذكرها، أو أكتب عنها، تماماً كما أشعر الآن

وما جَرى بعد ذلك أن العالم قد بقى، وبَقَيت معه، لرمضانِ الحالي، أجلسُ على نفسِ المَكتب، ولكني لا أشعر بالوحدة ولا بالحُزنِ، وأعلم حينَ أخطو 13 خطوة لآخر طُرقة الجَريدة إلى أين أنا ذاهب

أَشُمُّ رائحة الأقرباء، وأَسْتَوْحِشُ من غابَت بحنوٍ، أَلِفُّ بالعَجَلة في شوارع المَدينة دون أن أخافُ الرّيح، وأَلْمَس انتصار الرُّوح الذي بُشّرت به.. فأقرأ «ولَسَوفَ يُعْطِيكَ رَبُّك فَتَرضى»

أقف فوق مئذنة "الأشرف برسباي" في وسط القاهرة، من تَحتي المَدينة كاملة، وأرى السنة الفائتة، كل شيء واضح، والنَّفس طَيبة رغم كل ما جَرى

وحين أنظر، ثانيةً، إلى الصورة التي التقطتها نُهى هُناك أثناء غروب شَمس اليوم السَّادس، و«حسين سابزيان» الذي التقط له «كياروستامي» لحظة هدوء مُشابهة في شوارع «طَهران» قبل 23 عاماً. أشعر أن تِلك الصورة هي حِكاية العام كُله. بعدنا طيّبين كما أسمى صَديقاً عزيزاً كتابه عن مرَّة مُشاهدته الأولى لـ
Close Up
 و«كل شيء جميل فعلاً» كجملةِ الختام فيواحدٍ من أكثر أفلامي المُفضَّلة قُرباً إليّ وشَبهاً بي

13 يوليو 2013

أوّل الصيف اللي فات (نسخة فُصحى)

(1)

في واحدة من أكثر اللحظات المُشرقة في رواية «الغابة النرويجية»، التي اكتشفت مؤخراً أنها روايتي المُفضَّلة على الإطلاق، تحضر «ميدوري» لمقابلة «واتانابي» بعد أسابيع من غيابه، في نهاية اللقاء تعطيه جواباً كتبته في الفترة التي ذهب فيها ليحضر لهما الطعام، أخبرته بأنها كانت تنوي أن تَبيت معه تلك الليلة، تَطْبُخ له، تَرعاه بشدَّة، تَمْنَحه كل ما تمتلكه من مَحَبَّة الأقرباء، وأن الشنطة التي أحضرتها معها وضعت بها بيجامة وأدوات طَبيخ، ولكن المُشكلة.. أنه طوال لقاءهم كان عقله وروحه مُعلَّقين بأشياءٍ أخرى، أنه ليس هنا، ليس معها، ليس في الحاضِر، لم يَلْحَظ حتى أنها قد غيَّرت «قَصَّة» شَعرها، ولا يؤلمها في كل هذا إلا معاملتها بيقين أنها مَوجودة دائماً ولذلك فهو لا يَكْتَرِث بها، يَذهب بعيداً، وراء ماضيه وهواجسه، دون أن «يراها» فعلاً

آخر جملة في الخطاب كتبتها «ميدوري» وهي ترى «واتانابي» قادماً بالطعام من بعيد، كتبت أنها لو أخبرها الآن أن «شعرها جميل أو حتى سيء» ستُقَطّع هذا الجواب، وستذهب معه إلى البيت، تُرْفِق به وترعاه، ولكنها لا تظن أن ذلك سيحدث، وإذا انقضى هذا اليوم بالرّحيل، فهي لا تريده أن يُحدّثها بعد ذلك مُطلقاً

«واتانابي» قرأ الجواب، ما يعني بالضرورة أنه لم يَلْحَظ في الفرصة الأخيرة قَصَّة شعر «ميدوري» الجديدة، في اليومِ التالي ذهب إلى الجامعة، ورآها، حاول أن يتكلم معها فصدّته، تأمل في شكلها كثيراً كثيراً، ثم أرسل لها تلغرافاً اعتذارياً، جملته الأخيرة كانت «أعلم أن هذا متأخراً جداً جداً جداً، ولكن شعرك كان رائعاً حقاً»

كل أدب «موراكامي» يتعلَّق بالماضي وعوالقه، ما تركناه وراءنا دون أن يتركنا، وما يتبقى لنا في النهاية، هو يعرف الكثير عن ذلك، ولأن هذا هو أكثر ما فكَّرت فيه خلال الإحدى عشر شهراً الأخيرة، فقد صار الرَّجل مُفضَّلاً، هذا الأسى مثلاً في تكرار كلمة «جداً» هو أسى لرجلٍ يعرف الإدراكات المتأخرة، ولذلك.. فعندما كُنت في منتصف الرواية كتبتُ لـ«واتانابي» أنه يجب أن يترك الماضي وراءه ويَنظر نحو «ميدوري»، ذات الأمر الذي أخبره به «موراكامي» في النهاية على لسانِ إحدى الشخصيات، الرواية كانت أنا.. تماماً


(2)

أهم قرارين اتخدتهم في حياتي في آخر إحدى عشر شهراً كانوا السَّكَن بمفردي في جاردن سيتي بديسمبر الماضي، والتحرُّك في شوارع المَدينة بالعَجَلة في مارس الذي تلاه

هُناك الكثير من الأشياء بدأت مع الأمرين، بدء تعلُّم العود، الخَطّ العربي، هذا التحكُّم الكامل في إيقاع حياتي اليومي، ثم.. هذه الخفّة التي يحققها وجود العَجَلَة، والتعرُّف على تِلكَ المَدينة من جديد، والتَّوق لرؤية مُدُن أخرى على جانبي النَّهر

وضمن أكثر ما تغيَّر عند السَّكَن بمفردي هو تعلُّم الطَّبخ، الطَّبخ شيء مُدْهِش، والأكثر دَهْشَة هو مشاركته مع شخص آخر، حبيب أو قَريب، ولذلك فإن أكثر ما كُنت أتذكره خلال ذلك الوقت، تحديداً في المرات الأولى، هو هبة، وأول الصّيف اللي فات، وذلك اليَوم الذي طَبَخنا فيه سوياً، وجلسنا لنأكُل في أمانِ الله، ثم تفرَّجنا على فيلمٍ سَيء، وضحكنا كَثيراً، وكانت الحياة بخير

لَم تَكن أياماً مثالية، لها مشاكلها وضغطها وتوتراتها، كأي علاقة عاطفية/إنسانية، الحياة لَيست سهلة كما أُصَدّر دائماً كَمُفتتحٍ لأي رأي أو حَديث، ولكن المُدهِش أن الذاكرة ستجعلها كذلك، ستنقّحها تماماً، مثلاً.. قبل أيّام أرسلت لي جَيلان شيئاً لأقرأه من «تامبلر» الخاص بها، رأيتُ عندها تِلك الصورة على جانب الصفحة الأيمن:



من الصَّعب وَصف كم أن هذا هو أنا وهبة، تماماً، كم أن الملامِح تُشبهنا، وأن لدينا نَفس الملابس، وأننا جَلسنا معاً كثيراً في شمس الصيف الأخير، لن تفهم كم أن هذا هو نَحْنُ إلا لو أخبرتك أنني ظللت لخمسِ ثوانٍ أفكر في احتمالية أن هؤلاء هم نحن فعلاً وأن هبة عَمَلت «تامبلر» خاص بها ووضعت تلك الصورة، وستفهم أكثر لو أخبرتك أنني حين أرسلت الصورة لشريف –بعدها بدقائق- أخبرني أنه ظن أن هذا أنا «متصوَّر في فوتوسيشن ولا حاجة»

المُهم أن هؤلاء ليسوا نحن، هم يشبهوننا لدرجة التماثُل، وفي الثواني الأولى لرؤية الصورة كان هناك حنيناً شديداً لتلك الأيام التي لم تكن مثالية، ولكن الذاكرة –في تلك اللحظة- قررت أن تُدعّم كل «روقان» و«راحة بال» الصورة بتفاصيلٍ متناثرة بيننا، أسقطت أي حُزن قَديم وهَزَّت القَلب بحنينٍ شديد لزمنٍ كنا، هي وأنا، أكثر خفّة، حنين للأيامِ والأوقات وتلك اللحظة التي عشناها والتقطت لشبيهينا في بلادٍ بعيدة


(3)

عن ماذا أحكي الآن؟

ليس أمراً مُحدداً، ومع خلفية البوست السابق -بالعاميَّة- فأنا لا أريد أن أقول شيئاً، فقط تلك الفكرة الحَزينة عن أن «أسعد لحظة في حياتك ستمر بك دون أن تعرف أنها جاءت» هي ما تُحرّكني

يحتاج المرء لطاقة ضخمة ومُستمرة كي يُبقي على الدَّهْشَة في الأمور العادية التي يَطمئن لها، الأهل.. الأخوة.. الأصدقاء الأقرب، البشر الذين يراهم يومياً ويعلم أنهم هنا دائماً، «واتانابي» كان مطمئناً لوجود «ميدوري» ولذلك أهملها، وأنا كُنت مُطمئنا للحياةِ فلم أطبُخ مع هبة كثيراً، وصديق اطمئن لوجود أصدقاءه الأقرب فذهب بعيداً ليوطد علاقته بآخرين وليس من المؤكد أنه سيجد ما تركه حين يعود، وسيشعر بالفقدِ والخسارة والوَحْشَة، في أكثر أشكالهم قَسوة، وسيعرف -ربما- أن تلك هي أوقاته الأحزن، وأن ما من شيءٍ يفعله المرء أسوأ من الذهابِ لأجلِ الضال وترك بقية الخِراف في البريَّة

(4)

أعدت قراءة الفقرة الأخيرة في البوست السابق، الذي كُتِبَ قبل شهر ونصف، أعرف ما كنت أقصده، عن الحاضر كله كتهيأةٍ للحظة مستقبلية يَستقر عندها كل شيء، ولكني في تلك اللحظة متشككاً في هذا، الحياة دوائر، تدور وتدور وتدور، صحيح أن الحاضر يُهيِّئ للمستقبل، ولكن المستقبل نَفسه سيصير حاضراً يُهيِّئ لمستقبلٍ أخرى، ما من نقطة للنهاية، لسنا في فيلمٍ هُنا.

والأهم، أن هذا بوست عن الإدراكات التي تأتي بعد أن يَمُرّ الكثير من الوقت، ليس من الجيد إنهاءه بأي حِكْمَة أو تهوين. هو شيء انتهى عند المُلاحظة والسرد لأشياءٍ تحدث بشكل دائم، لذلك يمكن أن نتوقف هنا. بلا خاتِمَة مُحدَّدة.