04 أبريل 2009

فجرُ قديمٌ مستعاد


إلى ... ياسمين

( 1 )


الأمر بسيطاً حتى وإن بدا مجنوناً أو – في أحيانٍ أخرى – ساذجاً : يحدد رقم تليفون ما عن طريق تواريخ الأفلام التي يحبها ، ثم يرسل له رسالةٍ قرب الشروق ، رسالة لا تحوي الكثير ولا يعرف هو نفسه قبل لحظة إرسالها ماذا يمكن أن تحوي ، ربماً بيتاً من الشعر .. أو جملة من رواية .. أو أخرى من فيلم .. ذات مرة أرسل ترنيمة موسيقية مميزة بالأحرف .. وفي مرة أخرى أرسل كلمة واحدة ( هتعدي ) ، أحياناً ما كان يفتح كتاباً في يده بشكل عشوائي ويرسل أول جملة تقع عليها عيناه حتى وإن لم يكن لها معنى واضح ، مستنداً في ذلك كله على سبب قد يبدو هشاً وقد يبدو بالغ القوة : القدر لا يعبث

بدأ الأمر تحديداً حين أرسل ذات مرة رسالة لصديقة ، انتظر حينها رداً لم يأتِ ، ولكن بعدها بعدة ساعات رن هاتفه برقمٍ لا يعرفه .. اعتاد دائماً ألا يردّ على الأرقام الغريبة لذلك لم يرد في المرةِ الأولى .. ولكن في المرة الثانية نظر إلى الرقم أكثر فوجده رقماً مميزاً جداً ، لا لتشابه أرقامه ولكن لكونها تحمل – بتتابعها – تواريخ ثلاثة أفلام يحبها بشدة .. أحدهم أعاد مشاهدته بالأمس ، ابتسم واعتقد أن هذا سبباً كافياً ليرد ، جاءه صوت بنت لا يعرفها أخبرته بأن هاتفه قد بعث لها برسالة منذ عدة ساعات .. استغرب ثم اعتذر .. ردت قائلة "لأ بالعكس أنا اللي عايزة أشكرك" ، بعد المكالمة اتصل بصديقته مستغرباً وأخبرها بما حدث كله وأن الرسالة قد وصلت لرقم آخر رغم أنه جاء برقمها من ذاكرة الهاتف .. كانت مجنونة مثله .. تؤمن بأن حتى اللا معقول له معناه .. فأخبرته بلهجة تتراوح بين الجدّ والمزاح : "تفتكر إنها شكرتك في الآخر عشان كانت هتنتحر ورسالتك أنقذتها ؟"

لفترة طويلة بعدها نسى الأمر ولم يتذكره سوى على فترات متباعدة ولكن بشكل عميق .. يفكر في سيناريوهات مختلفة لسبب تحويل الرسالة لمسارها .. ويفكر بإحساس البنت حينما قرأتها .. يفكر بالتداخلات القدرية التي شكلت حكاية بسيطة كهذه
  ..

بعدها بفترة فعل ذلك ثانياً ولكن قاصداً هذه المرة ، والمرة صارت تتكرر على فتراتٍ متباعدة تاركاً الدفة كلها لشعورٍ يحركه .. سواء للحظات التي يختارها .. أو الأفلام التي تشكل أرقاماً يرسل إليها .. أو حتى في كلمات الرسالة – القليلة دائماً - ، واعتاد أيضاً ألا يرد على تلك الأرقام بعد أن يرسل رسالته معتبراً أن الأمر انتهى لحظة وصول الرسالة

كثيراً ما كان يشعر بمدى غباء ما يفعله ويفكر في كونه محض سذاجة وأن الرسالة التي بدأت كل ذلك لم تكن سوى عطل في شبكة شركة المحمول وليس قدراً محدد الخطى كما حاول هو تفسير الأمر .. كثيراً ما كان يفكر في السبب الذي لا يجعل القدر يتدخل ويرسل له رسالة من رقمٍ لا يعرفه حينما يكون محبطاً أو شاعراً بالحزن ..كثيراً ما كان يملأه الفضول ليعرف مصير تلك الرسائل الغريبة وهل هي فعلاً لها معنى ؟؟ ، وكثيراً ما رغب في الرد على اتصالات تلك الأرقام ليعرف – فقط – رد فعلهم حين يحدثونه ، ولكنه – دائماً - ما كان يكبح فضوله أو إحباطه أو شعوره بلا جدوى الأمر لسببٍ رآه كافياً : طالما أن الأمر من البداية مفتقراً للمنطق ومستنداً على قدرٍ لا نعرف وجهته .. فليظل الأمر كذلك حتى يقرر التوقف أو يحدث ما يجبره على ذلك

لذلك فقد ظل ملبياً للشعور الذي يأتيه على فترات متباعدة أن يُحادث أُناسٌ لا يعرفهم عن أشياء يعرفونها بجملةٍ واحدة .. أو ربما كلمة

( 2 )

يوم أن سمع صوتها أول مرة كانت تتحدث عن القدر

يومها ، حادثه أحد أصدقاءه على موبايله حيثُ تصادف وجوده في الجيزة ، أخبره أن يمرّ عليه بالجامعة .. لم يكن قد رآه منذ فترة طويلة ولم يكن ذهب إلى الجامعة نفسها منذ فترة أطول لذلك فقد أخبره بأنه آتٍ إليه ، لحظة أن أغلق الهاتف مرّ بجانبه طفلاً ورمى في يده ورقة إعلانية لم يهتم بقراءة ما فيها .. لم يرَ ربما سوى كلمة "@ مكتوب.كوم" ، رمى الورقة وأكمل سيره ناحية الجامعة التي لا يفرقها عن الجيزة – سيراً – أكثر من عشر دقائق

في الجامعة .. رأى إعلاناً معلقاً على إحدى جدران الجامعة يٌفيد بعرض فيلم يحبه هناك .. "ماجنوليا" ، نظر لموعد العرض فوجده اليوم .. الأربعاء 6 فبراير .. في الرابعة عصراً ، كانت الثالثة في ساعته ..

أحبّ دوماً مشاهدة أفلام يحبها في عروض يحضرها آخرين لا يعرفهم وكأن الأمر خيطاً خفياً يجمعه بهم ويمنح ذكرى مشاهدة الفيلم معهم – حتى لو لم يتبين ملامح أيًّ منهم – شيئاً مميزاً ، فكر في دقائق الفيلم الأولى أن هؤلاء من حوله – وهم قليلين جداً – الذين قطعوا من وقتهم ساعاتٍ ثلاث ليشاهدون فيلماً يحبه بهذا القدر .. لابد أن هناك شيئاً يصلهم تماماً كهؤلاء على الشاشة أمامهم ، انتبه لصوت الفيلم :


This Was Not Just A Matter Of Chance. Ohhhh. These strange things happen all the time


ثم أمطرت السماء

بعد نهاية الفيلم فكّر في الرحيل بسرعة ولا داعي للاستماع للمناقشة ، ولكنه قرر – حتى مع عدم اهتمامه بالمشاركة في المناقشة – أن يبقى مستمعاً لما قد يقوله من حوله ، مرّ الأمر عادياً حتى تحدثت "البنت ذات الحجاب الأزرق"

"كنير بفكّر في اللي زمن بياخده مننا ويبقى ماضي ومجرد ذكرى مؤلمة ، وكتير بفكر ليه ده بيحصل ، الفيلم ده بيحسسني دايماً إني مش لوحدي ، مثلاً مرة زمان كان عندي صاحبة أقرب ليّ من نفسي ، البعد سحبنا من بعض من غير ما نقصد أو نعوز ، ساءت أموري وساءت أمورها ودايماً كنت أقول لنفسي إن دي حاجات بتحصل ومش بإدينا ، بس مع ذلك كتير بفتكرها واسأل نفسي "هي لسه فاكراني ؟" ، لما بفتكر الفيلم ده بكون متأكدة إنها بتفكر فيّا في نفس اللحظة ، ومتأكدة برضه إن فيه معنى لكل حاجة بتحصل مهما كانت قاسية ومها وجعت قلبنا"

أدهشته السلاسة التي تحدثت بها عن نفسها وعن الفيلم

بعد انتهاء العرض والمناقشة ، تحرك الأفراد القليلون في المدرج من أجل الذهاب ، تحر
ك هو في الطرقة المؤدية للسلم وكانت خلفه بعدة خطوات قليلة .. فكر في كونه يجب أن يتحدث الآن وإلا فلن يتحدث أبداً ، التفت ووقف أمامها مباشرةً :مفكرتيش تبعتي لصاحبتك أو تكلميها وتقولي لها إنك لسه فاكراها ؟؟

مضى الكثير من الوقت يومها وهما يتحدثان ويحكيان الكثير ، شعر بأنه من الصعب أن تكون تلك هي أول مرة يتحدثان فيها ، وحين أوصلها لمكان ركوبها طلب رؤيتها ثانية واتفقا أن يتقابلا في الجامعة بعدها بيومين

وبعدها بيومين تقابلا وظل حديثهم متصلاً ، أخبرته بأنها فكرت بمسمى لما حدث منذ يومين ، لم تجد أفضل من كلمة ( تآلف ) .. ابتسم ولم يرد وحينما أوصلها في ذات اليوم لمكان ركوبها مرة أخرى أخبرها :

( قلتلك قبل كده إن "التآلف" مستحيل يكون من طرف واحد ؟ التآلف إحساس مشترك يا ييجي للطرفين يا إما لأ )

تبادلا يومها أرقام التليفون .. كانت أرقاماً مميزة من المستحيل عليه أن ينساها تحوي – متتابعة – تواريخ ثلاثة أفلام يحبها .. ومن ضمنهم ماجنوليا

( 3 )


مستنداً في ذلك كله على سبب قد يبدو هشاً وقد يبدو بالغ القوة : القدر لا يعبث

***


 
يوم أن سمع صوتها أول مرة كانت تتحدث عن القدر

***

أخبرها يوماً – قبل أن يراها أو حتى يعرفها - : ( هات من ماضي العمر حاجات .. تنوّر الممشى اللي في ذاكرة .. وتنشر النور فوق النجيلة )

27 مارس 2009

كمسيحٍ جديد


منذ عدة سنوات ، شاهدتُ 
أحمر للمرة الأولى ، كان أول معرفتي بكيسلوفسكي ، لم يرقنِ كثيراً حينها ، ربما لم أفهم .. لم أشعر .. ربما عاملته كغيره من الأفلام

في العام الماضي – تماماً كهذه الأيام – سألني صديق رأيته حينها للمرة الأولى عن مخرجي المفضل ، أخبرته بكونه 
شاهين بالطبع ، سأل "من بعده ؟" ، قلتُ له "كيسلوفسكي" ، لم يعرفه ، كان يمكنني حينها أن أعرّفه بكونه مخرج بولندي شهير .. أن أسرد قصة حياته .. أو أحدثه عن هجرته لفرنسا وما صاحبها .. أو بصنعه سلسلتين من الأفلام من أعظم ما قدمت السينما يوماً .. أو حتى أعرّفه بأقوال مخرجين عظام آخرين عنه ، ولكني صمَتُ قليلاً وقلت له "هل تذكر ذلك المشهد لجاك نيكلسون حينما أخبر هيلين هانت بكونها "تجعله رجل أفضل" ؟! ، كيسلوفسكي يجعلني "إنساناً أفضل" !" .. سكتُ قليلاً محاولاً البحث عن كلمات تشرح أكثر ما أريد قوله : "إنه يجعلني أقرب لحقيقة كل شيء ، أقرب لنفسي .. للناس .. أقرب للحياة ذاتها"

لم أفكر قبل ذلك في الكتابة عنه ، لم أفكر أبداً في تناول أحد أفلامه بالنقد أو التحليل ، هناك أشياء من الصعب الحديث عنها لأنه من الصعب اختصار ما نشعره حيالها ، هناك مشاعر تستعصي على الوصف مهما بدا من صدق أو حصافة الكلمات ، صحيح أنه يوجد الكثير مما يمكن أن يقال عن
كيسلوفسكي – سينمائياً وإنسانياً – ولكن كل هذا لا يعني شيئاً دون أن تخوض تجربة مشاهدته ، إنه يخاطب الشعور .. لا أريد أن أكون إكليشيهياً ولكني لم أقل ذلك عن غيره : كيسلوفسكي يخاطب الروح ، ليس بنفس النسق الداخلي المعقد الذي يمكن أن نراه في أفلام تاركوفسكي أو بيرجمان أو غيرهم ممن قد يطلق عليهم البعض نفس الوصف ، ولكنه – وإن كان بنفس العمق – فإنه أبسط .. أكثر ملامسةً لنا ، دائماً ما نشاهد أفلاماً .. ولكن نادراً – نادراً فعلاً – ما نمر بما يمكن أن نطلق عليه ( لقد عشنا فيلماً ) .. نحن نعيش دائماً في أفلام كيسلوفسكي .. يرسمنا بداخل شخوصه لا فقط يخبرنا عنهم .. نمر بنفس التجارب .. نشعر بنفس الأحاسيس .. نستنطق نفس ملامح الإنسانية .. نحيا ما يحدث ويتجسد فينا


المرة الأولى التي شاهدتُ فيها (
الديكالوج .. الوصايا العشر ) مررت بتجربة لا يمكن تسميتها سوى بكونها ( صوفية ) فعلاً ، الوصايا هي سلسلة تلفزيونية أخرجها كيسلوفسكي للتلفزيون البولندي في النصف الثاني من الثمانينيات كمشروع شخصي مع كريستوف بيزيفتش – كاتب السيناريو الذي شاركه كافة أفلامه تقريباً – من أجل فهم وإسقاط ( الوصايا العشر ) التي وردت في العهد القديم على الحياة المدنية الحديثة عن طريق تجريد ( منطوق ) كل وصية وتحري ( معناها الحقيقي ) مما قد لا يتصل بوضوح بلفظ الوصية ولكنه يعبر عن مبتغاها تماماً ويولّد عاطفة ( شعورية وإيمانية ) هائلة لا يمكن وصفها ، شاهدت الوصايا في عشرةِ أيام .. في وقت كنت أقرأ فيه – للمرة الأولى – روايات غسان كنفاني و"الديوان الكبير" للإمام محيي الدين ابن العربي ، ولا أظن أن هناك أيام واضحة أعتقد دوماً في كونها كوّنتني مثل تلك الأيام التي أراها من بعيد – الآن وبعد عامٍ ونصف – كطاقة نور أضاءت لي الكثير من الأشياء .. ومن ضمنها نفسي

في الوصايا ، حكى
كيسلوفسكي وبيزيفتش الكثير ، الكثير من الآلام والكثير من الأحزان والكثير والكثير من الخطايا ، ولكن مع ذلك أمكنهما – بطريقة لا أفهمها – أن يسامحا .. وأن يجبروننا - نحنُ - على المسامحة ، أن يستندا – بكل ثقلهم – على شيء أكبر لا يسميانه ولكنه يبدو واضحاً في كل أعمالهم .. شيء يدعى ( القدر ) ، قدر يجعل لكل شيء معناه .. ولكل آلمٍ سببه .. ولكل حزنٍ نهايته .. ولكلِ روحٍ خلاصُها ، تلك الدفعة الإيمانية النابعة من السند والبعد الديني الواضح الذي تحمله الحلقات .. والدفعة الشعورية النابعة من شخصيات وتفاصيل ( نعيشها ) مع أبطال الوصايا ، كل ذلك أمكنه أن يصل للجميع .. حتى لشخص ملحد وفاقد إيمانه بالبشرية ومؤمن حتى الثمالة بفسادها واستحقاقها كل عذاب ممكن كـ"ستانلي كوبريك" .. حتى لشخصٍ كهذا استطاعت ( الوصايا ) أن تمسه وتلمسه وتنير له شيئاً كي يقول عنها يوماً "لن تستطيع أن تدرك عظمة هذه الوصايا تمام الإدراك إلا حينما تشعر – بعد فترة طويلة من المشاهدة – أنها استطاعت الوصول إلى قلبك والتأثير فيك" .. كوبريك نفسه يقول ذلك ! قبل أن يتبع كلماته قائلاً "أنها التحفة الوحيدة التي رأيتها ويمكنني تسميتها"

وفي ثلاثية الألوان .. يعود الرفيقين من جديد كي يسامحا ويغفرا .. كي يخلقان طاقة فينا لا تقل – في رأيي – عما خلقاه في وصاياهما ، لا أريد المبالغة ولكن بنهاية رحلة الثلاثية نشعر (
بالخلاص الروحي ) فعلاً .. نشعر بأن أرواحنا قد أُنقذت مع من أنقذوا ، نشعر بأن كيسلوفسكي استطاع أن يغمرنا بعاطفة المحبة التي ملأ بها ثلاثيته تماماً كما استطاعت فلانتين أن تغمر القاضي جوزيف ببراءتها وملائكيتها ، في ثلاثية كيسلوفسكي نحن نمر برحلة الحياة كاملة : الفقد .. الحزن .. الوجع ، الخيانة .. الكراهية .. الانتقام ، العزلة .. الحنين .. فقد الاتصال ، نمرُّ بإناسِ جردتهم الدنيا من كل شيء حتى لم يعد لديهم رغبة في أيّ شيء .. نمر بآخرين أكسبهم الظلم كراهية لم تستطع أن تمحي روح المحبة بداخلهم .. وثُلّث يعود إيمانهم بالعالم والناس وحتى بأنفسهم بعد أن يجدوا البشرية - وبما فيها ذاتهم - أفضل مما تصوروا يوماً ، ( نعيش الحياة ) كي نصل في النهاية إلى مبتغى الرحلة كلها : إلى التسامح .. وإلى المحبة

كيسلوفسكي مرّ بالكثير من الأوجاع في حياته حتى امتلأ قلبه بها ، ولكنه ظل حتى آخر نفس يحدثنا عن أن نكون ( أنفسنا ) وأن نملك القدرة على ( المحبة ) التي يكمن فيها خلاصنا ، ولا أعرف حتى الآن كي استطاع أن يحمل كل التلك الآلام ويبشر بكل هذا الحب ويسقط في النهاية بقلبٍ معتل من وطأة وثقل كل تلك الآلام ، هو مسيح .. مسيحٌ جديد بشّر الناس بنفس المعاني وجسد لهم نفس الأفكار ولكن في هذا العصر بكاميرا محمولة على كتفيه

*****

منذ عدة عدة سنوات ، شاهدتُ أحمر للمرة الأولى ، كان أول معرفتي بكيسلوفسكي ، لم يرقنِ كثيراً حينها ، ربما لم أفهم .. لم أشعر .. ربما عاملته كغيره من الأفلام

بالأمس ، شاهدتُ الثلاثية للمرة الرابعة في سنواتِ عمري ، وحينما انتهيتُ 
بالأحمر .. أخبرتُ نفسي بأنني – ربما – لم أشاهد شيئاً في حياتي بمثلِ هذا الجمال

أحببتُ الكثير من الأفلام ، والقليل منها اعتبرته ( مني ) – مني فعلاً وبكل ما تحمله الكلمة من معنى -
ولكن من كل ما كان منّي .. تتضاءل كل الأفلام بجانب (
الأحمر ) من الألوان الثلاثة .. ويتضاءل الجميع بجانب كيسلوفسكي

13 فبراير 2009

I've seen it all


"دايماً كنت بحلم إني في فيلم غنائي ، يمكن عشان في الأفلام الغنائية مفيش حاجة وحشة بتحصل"

ربما لذلك استطاع لارس فون ترير أن يقول كل ما عجزت الأفلام الموسيقية أن تقوله يوماً



I've seen it all, I have seen the trees,
I've seen the willow leaves dancing in the breeze
I've seen a friend killed by a friend,
And lives that were over before they were spent.
I've seen what I was - I know what I'll be
I've seen it all - there is no more to see!

You haven't seen elephants, kings or Peru!
I'm happy to say I had better to do
What about China? Have you seen the Great Wall?
All walls are great, if the roof doesn't fall!

And the man you will marry?
The home you will share?
To be honest, I really don't care...

You've never been to Niagara Falls?
I have seen water, its water, that's all...
The Eiffel Tower, the Empire State?
My pulse was as high on my very first date!
Your grandson's hand as he plays with your hair?
To be honest, I really don't care...

I've seen it all, I've seen the dark
I've seen the brightness in one little spark.
I've seen what I chose and I've seen what I need,
And that is enough, to want more would be greed.
I've seen what I was and I know what I'll be
I've seen it all - there is no more to see!

You've seen it all and all you have seen
You can always review on your own little screen
The light and the dark, the big and the small
Just keep in mind - you need no more at all
You've seen what you were and know what you'll be
You've seen it all - there is no more to see!

------

The Song : I've seen it all
Written by: Björk, Sjón Sijurdsson & Lars von Trier 
Performed by: Björk & Thom Yorke 

The Movie : Dancer in the Dark
Directed by : Lars Von Trier

I think he's gonna die



Bye bye life 
Bye bye happiness 
Hello loneliness 
I think I'm gonna die 
I think I'm gonna die 
Bye bye love 
bye bye sweet caress 
Hello emptiness 
I feel like I could die 
Bye bye your life goodbye 
Bye bye my life goodbye 
There goes my baby with someone new 
She sure looks happy 
I sure am blue 
He sure is blue 


Roy Scheider - Bye Bye Life

The last scene in Bob Fosse's Masterpiece "All that Jazz"

25 يناير 2009

موت مين ده يا يوسف اللي يحوشك عنّا ؟




حبيتك الحب الي عمره سنين
متّعت عيني وما انتهيتش حنين
كل اللي عاشوا في حضرتك حلوين

****

شكري مراد


"كله بدأ من هنا"

في إسكندرية ليه ؟! ، شاكر باشا – النموذج المنيّل لأرستقراطية قبل الثورة واللي عمل دوره فريد شوقي – بيوصف شكري مراد – المليجي طبعاً – بإنه "محامي فاشل وأكيد ابنه هيطلع فاشل زيه وأنيل كمان" ، ودي الفكرة العامة اللي بناخدها عن شكري مراد واللي بيتوصف بيها أكتر من مرة في الفيلم على لسان أكتر من شخصية وبأشكال مختلفة ، إنه محامي فاشل ومديون ومتنيّل ، بس بشكل تاني .. المحامي الفاشل ده كان النموذج الأجمل والأقرب للقلب للأب في تاريخ السينما – المصرية على الأقل - ..
يوسف – زي ما بيظهر في الفيلم – مكنش راضي أوي عن حياته وقتها ، الفارق الطبقي ما بينه وبين زمايله – أولاد الباشاوات والوزرا في فيكتوريا كوليدج – كان مخليه دايماً بيفكر هو ليه هنا وهل هيفدر يكمل في ظل إحساسه بالنقص ده ولا لأ ، لما كبر .. بعد سنة اتنين عشرة .. بعد أربعين سنة وقت ما قدم الفيلم ، رؤيته كانت مختلفة للأسرة المتوسطة اللي عندها طموح إنها تخلي ولادها أحسن وهي محافظة على كبريائها ، مش هروباً من وضعها بس عشان نفسها تحسنه 

شكري مراد كان عنده حلم إن ابنه يبقى مهندس .. مش بيتقبل بسرعة إن المفعوص اللي عنده 17 سنة قدر يختار وعرف إنه عايز السينما ، بس في مرحلة متقدمة بيفهم ده .. وبيسانده وبيجري معاه ناحية حلمه على قد ما بيقدر ، مش شرط شرط شكري مراد إدا ليحيى كل حاجة .. بس الأكيد إنه إداله كل اللي يقدر عليه .. وده كفاية  

شاكر باشا : جايين النهاردة يشحتوا سلفة عشان الواد المفعوص بتاعهم ده على بال ما يصرفوا دفتر البوسطة بتاعهم ، قال وعايزين يسفروه أمريكا .. سهلة أمريكا دي سهلة ! ، كأنه رايح الأنفوشي إياك ، أنا مش عارف الناس ماتعيش على قدها ليه ؟

يمكن عشان عايزين يعيشوا !1


وقبل ما تسافر بسنة صغيرة ، "هيشاولك بالجامد كده ، عشان تعرفه" ، ارجعلنا كلنا ومتطولش يا يحيى .. عشان يشوفك قبل ما .. راجل مهم ومعاه شهادة كبيرة كبيرة ، لازم ترجعلنا كلنا بسرعة ارجع إسكندرية ، ومتنساش تقص شعرك قبل ما توصل نيويورك

****

فاتن



"نكتب كتابنا ونرجع البلد واخش عليهم وانتِ في يدي وأقولهم مرتي آهي ، ده انتِ هتبقي شكاليتة في بلدنا يا بت انتِ ، وبعد كده هبني لك حتة بيت محندق كده ع البحر"

أهمية باب الحديد بالنسبة لي مش جاية بس إنه واحد من أعظم أفلامنا وأهم أفلام يوسف في الفترة دي ، الأهم من كده إنه خلاصة وجعه وألمه خلال المرحلة دي من حياته ..

سنة خمسين بعد ما رجع من أمريكا عمل أول فيلم في حياته ، ويمكن القدر بس هو اللي خلى إن بداية الرحلة مع أول فيلم تبقى مع أول حكاية حب بجد .. واللي بتبتدي كالعادة بكسرة قلب ، العيلة البريئة دي اللي طلعت مع محمد عبد الوهاب في فيلم من أفلامه وبعدها اشتغلت في شوية أفلام ميلودرامية في الأربعينات ، هي نفسها البطلة هنا .. في الفيلم الأول وفي الحياة كلها ..

كان صعب أوي إنك تعرف فاتن حمامة ومتحبهاش ومتبقاش فتاة أحلامك ، زي ما يوسف كان بيقول لما اتسأل إذا كان حب فاتن حمامة ولا لأ .. ورغم إنه كان عيل عدى السبعين إنما كان لسه بيتكسف وبيلغوش على الموضوع وراح قايل "ومين اللي يعرف فاتن وميحبهاش ؟!"

وزي ما شاركته بطولة أول فيلم كانت هي البطلة الأهم في أفلامه الأولى ، أهمها صراع في الوادي سنة 54 ، واللي فيه اتعرفت لأول مرة على الوجه الجديد اللي هو اكتشفه "عمر الشريف" .. وبعدها بسنة واحدة اتجوزته لعشرين سنة ..

وقتها يوسف كان ابتدى يثبت خطاه في السينما .. ابتدى يبقى مخرج مهم وليه قيمته ، بس كل ده ولا حاجة بالنسبة لإن قلبه ينكسر ، كان وقتها عنده استعداد يتخلى عن كل حاجة "ويرجع البلد يبنلها بيت ع البحر" لو رضيت بيه ، ولإنه رغم كل حاجة فضل عيل إسكندراني لما بيحب بيحب بجد ولآخر حتة في قلبه وعنده استعداد يدي كل حاجة للي بيحبه .. لما ده محصلش سببله أكبر جرح في حياته ، لدرجة إنه وقتها حاول ينتحر 

- هناك أشياء بين السما والأرض .. تمخول المخ
- يعني إيه
- يعني هو خرج كل غلة في الفيلم وفي الآخر محدش قدر
- وهو مغلول من إيه ، هو كان أعرج بحقيقي
- كل واحد فينا أعرج بطريقته ، يمكن ناقصه شوية حب .. حنية
- حنية ، طب ده إحنا كلنا بنموت فيه
- المهم هو بيموت في مين 

النتيجة الفعلية للتجربة دي كلها كانت باب الحديد ، يوسف مكنش محتاج أكتر من إنه يتكلم ، يعبر عن نفسه وعن ضعفه وعن شعوره بالعجز "من جوا" ، قناوي عامل زي "كبايات عصير قصب مليانة ع الآخر .. والخلق مبتشربش" .. اللي بيحب ومش طايل واللي قلبه مليان بس محدش شايف 

"حتى لما الواحد يحاول يفتح قلبه بجد محدش عايز يسمع"

عشان كده تأديته لقناوي مكنتش مجرد حنين للتمثيل أو حباً فيه قد ما كان لإن الشخصية بتعبر عنه وبتعبر عن إحساسه وقتها ، لما بعد كل ده محدش سمع .. والفيلم فشل .. حس إن الكلام فضل مخنوق جواه



بعدها اتجوّز كوليت بحضور فاتن حمامة وعمر الشريف نفسهم ، ورعم إنه حب كوليت فعلاً وفضلت معاه لآخر عمره زوجة وحبيبة .. بس فضلت فاتن في مكانة تانية محدش قدر ياخد مكانها .. فضلوا قدام الناس أصحاب بيقربوا شوية وبيبعدوا شوية بس هو وهي كانوا عارفين كويس إنه عمره ما بطّل يحبها ، حتى لو فضلت تسميه لآخر لحظة "صديق الصبا العزيز"

****

جميلة / تفيدة



"قوليلهم قد إيه بحبك انتِ وأخوكِ ، قوليلهم إني مخبيكم في قلبي وعارف قلبكوا فيه إيه"

هل حكيت لكم من قبل عن تفيدة ؟؟

كان دايماً بيقول إنه مخلفش بس كل تلامذته واللي قربوا منه هما ولاده

بس مع ذلك دايماً باين – بالنسبة لي على الأقل – إنه كان نفسه يجيب بنت زي القمر تكون أقرب له من نفسه ، يحكيلها وتحكيله .. تقف قدامه راس براس أحياناً كتير .. تتفلسف عليه لما تتكلم بلسانه وتهزمه بمنطقه .. تسنده في الدنيا وتخليه دايماً قادر يستمر .. لما تحب تقول لحبيبها إن الحب مبيتأجلش وإن اللي يحب حد بجد يحبه "دلوقتي الآن حالاً فوراً" .. معندوش مانع تبوس حبيبها فوق السطوح عشان الحب مفيهوش كسوف .. عايزها تحب على قد ما تقدر بس عمرها ما تيجي على نفسها ولا تكون ورا حد .. "تخاف قلبها يرضى تكون تابعة عشان عقلها عمره ما هيرضى بده" .. عايزها تاخد منه كل حاجة حلوة وتسيب عقده وهواجسه على جنب .. تشبه في جمالها جمال إسكندرية عشان طبيعي هتتولد هناك .. ومتبقاش شبهة من برة خالص بس لو حد قال كده قدامها تتعصب وتقول "لأّ بقى ده أنا أبويا قمر وأنا شبهة الخالق الناطق ، حتى شوفوا" : )

****

محسن



"زي الجنايني زرعت ورويت واللي يزرع يحصد ، خد علم وخد تربية .. خد حب وانتماء ، عشر سنين لما أكبر موهبة أنا عرفتها"

جرح القلب ونوره !

"لما عمل دوري اتلخبطت ، مبقتش عارف ده أنا ولا هو ، جايز هو كمان اتلخبط"

محسن بالنسبة ليوسف مكنش مجرد ممثل كويس اتعرف عليه وانبهر بيه وشاف فيه موهبة فذة ونادرة ، محسن هو الابن اللي مخلفوش .. والحلم اللي ضاع منه ورجعله تاني ..

طول حياة يوسف كان فيه حلم كبير جواه وللأسف مقدرش يحققه ، الحلم ده كان إنه يعمل نسخة خاصة من هاملت يطلع فيها كل هواجسه وخوفه وجروحه ، عشان كده هاملت كان دايماً موجود في كل حاجة .. من أول بابا أمين لحد إسكندرية كمان وكمان ونسبياً في المهاجر والمصير ، بس برضه مقدرش يقول ويعبر عن كل حاجة ، جايز عشان وهو صغير كان خايف وجايز كمان مقدرش لظروف الإنتاج وظروف السينما وقتها لإنه مبقاش مهم بالقدر اللي يسمحله بالاستقلال الكافي ، بس فضل الحلم موجود .. ولما بقى يقدر ينفذه .. هو نفسه كبر على ده ، مبقاش يقدر يمثل دور هاملت ولا شاف حد تاني ممكن يمثله ويحس وهو بيعمله إن ده ( هو ) ..

محسن الوحيد اللي يوسف حسّ فيه بإمكانية إنه يتصالح من خلال مع كل شيء ، مش العلايلي ومش نور ومش عمر ومش محرز ومش شكري ومش أي حد تاني ، كل دول كانوا ( حتة من هاملت ) ، لكن محسن كان هاملت نفسه .. كان يوسف نفسه ، الابن والصاحب والممثل وشريك الحلم ، خلاه حتة من قلبه .. يمكن كان مع فاتن أكتر اتنين قدر إنه يحبهم ويحاول من خلالهم إنه يتصالح مع كل جروحه اللي جوا

ثم ....

"ثم صمت مطبق وكأن شيئاً لم يكن" *

"مرة واحدة أستيكة كإن مفيش حاجة حصلت ، كإنه واحد تاني معرفوش"

ستنكرني عند صياح الديك ، وقد أنكرتني يا أعزّ الأصدقاء .. يا أقرب الأقرباء *

إزاي قلبك مرة واحدة اتملا بكل القسوة دي .. إزاي بس ؟

"لو أطول الحتة القاسية في قلبك كنت كلتها بسناني"

ده البٌعد ذنب كبير لا يُغتفر .. مهمكش تغفره ؟ ولا انتَ مسمعتش – يا غايب – حدوتة حتتنا ؟؟

بس بيعجبني دلوقتي لما أشوف الحدوتة ، أشوفها ناقصة حتة ، أفتكر محسن ( 77 – 90 ) .. الواد الشقي العفريت اللي قلبه مليان حبّ وحنيّة .. اللي بياخد الدنيا في حضنه ويجري ورا أحلامه مهما بعدت عنه .. اللي بيتنطط تحت المطر ويخلي العالم يغني معاه .. أشوفه ( يحيى ) ( هاملت ) ( عوكة ) .. زي ما كان يوسف حابب يشوفه دايماً

****

الناس



"كل اللي أنا عايزة من الناس إنها تفتح لي قلوبها زي ما فتحتلهم قلبي ، إنهم يبقوا طيبين .. يعرفوا يسامحوا على قد ما عرفت أحب ، بيقولوا عجوز مخرف موسوس بالحب ، عجوز يمكن ، بس اوعوا تقولوا عن الحب والتسامح وسوسة .. وإلا تبقوا انتوا اللي موسوسين من جواكم" **

يخرب بيتك يا يوسف 

مين اللي قال إن البُعد هيخبيك ؟

"انتَ تملي معانا وحوالينا وبينّا .. موت مين ده يا جو اللي يخبيك منّا ؟"

كل سنة وانتَ هنا يا واد يا إسكندراني .. واللقا مكتوب وجاي .. بعد خمس سنين أو خمس تيام أو خمس دقايق .. مين عارف ؟!

****

ثُم ....

خليته في خيالي كإنه ضل الحق
كإنه شجرة نبق
خليته في خيالي كإنه ريحة ريف
مبقتش تعرف طريق واشمها في رغيف
خليته ابني وأخويا في عيشة غير العيشة
خليته لبس خفيف
خليته رقص ومغنى
حولته من إنسان إلى معنى
وخرجت منه .. لقيتني داخل إليه
وبرضه ...
.... معرفتش أنسى عينيه



====

- العنوان : صلاح جاهين
- أبيات المقدمة : فؤاد حداد
- أبيات الختام : أمين حدّاد
- الأجزاء الملونة : من أفلامه
- * شكسبير .. هاملت
- ** يوسف .. حديث سنة 1988


03 يناير 2009

آه .. مش ألف مرة لكن ألف آه




كنت مش قابل .. أكيد مش قابل

يدبحوا الشجر اللي كان والدي

يدبحوا الشجر اللي كان طيني

يدبحوا الشجر الفلسطيني


---

* الأبيات : فؤاد حداد – قصيدة النبض
كُتبت بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان
 عام 1982
 
** الصورة : من جنازة الشهيد نزار ريان القائد بحركة حماس والأستاذ في الجامعة الإسلامية بغزة والذي سقط شهيداً مع ثلاثة عشر من أفراد أسرته بعد رفضه إخلاء بيته رغم علمه باحتمالية قصفه بالطائرات الإسرائيلية
يناير 2009


07 ديسمبر 2008

هوامش على دفتر المعركة !

( 1 )

أمس ، أرسل بلال فضل رداً على التدوينة الأخيرة ، قال في جزءً منه أنه اهتم بالرد على ما كُتِب حتى ولو لم يقرأه أحداً غيري 
أعتقد أن من حقه أن يُنشر ردّه في نفس المكان الذي هاجمه .. ويقرأه نفس من قرءوا البوست الأساسي :

من بلال فضل إلى صاحب مدونة من نور الخيال 
كل سنة وأنت طيب أولا 
ثانيا أبلغني صديق لي بما كتبته وقال لي أنه نشر في مدونة إسمها من وحي الخيال.. وعندما أرسل إلي اللينك فوجئت أنه منشور في مدونتك الموضوعة لدي أساسا في الفافوريتس .. وقد تألمت جدا عندما وجدت أن هذا الموضوع مرتبط بك.. لأني في الحقيقة كنت دائما شديد الإعجاب بمدونتك.. وبأسلوبك في الكتابة وبخلطة الفن والثقافة والسخرية التي تقدمها.. بالطبع لن أسحب إعجابي هذا أبدا.. وليس لدي أدنى رغبة في تسجيدك فواضح أنك تعرف أن من آخر مميزاتي التسجيد.. أنا فقط عاتب عليك ليس لأنك فقط لم تشر منذ البداية إلى أن ماكتبته من وحي الخيال.. وهذه المرة سأصر على التعبير الذي جاءني خطئأ لأن نور الخيال تعبير يليق بموضوعات أخرى كثيرة كتبتها وتستحق جلال التعبير الفؤادي الحدادي.. لكن هذه المرة شعرت أن روحا فضائحية تلبستك وأبعدتك عن الروح الجميلة التي كنت أنتظرها منك كقارئ 
لست راغبا في أن أفرض عليك ماتكتبه فأنت حر ولك مطلق الحرية في الكتابة طالما أنت تتحدث عن شخصيات عامة.. قدرها أن تتحمل رأي الآخرين فيها.. لكن كنت أفضل أن تنقدني أنا أو غيري بشكل مباشر فيه جرأة وشجاعة ولديك منهما الكثير كما أظن.. دون أن تلجأ إلى اختلاق أشياء ووضعها على لساننا فيظن الناس أن ماتقوله معلومات وليس خيالا.. مع تقديري لخيالك كنت دائما أسعد به في معارك تستحق خاصة أني كنت أظن أن وقتك ثمين بحيث لاتضيعه في مثل هذه الأمور التي لاتستحق 
على العموم ربما كنت أنا الأولى بهذه النصيحة لأنني أنا الذي فجرت المعركة منذ البداية مع الأستاذ سمير فريد.. وأنت لو قرأت المصري اليوم الصادرة اليوم السبت لقرأت لي اعتذارا صريحا ومباشرا عما كتبت واعترافا بأنه كان خطئا كاملا لامجال لتبريره.. لست أطالبك باعتذار مماثل فهذا قرارك 
لكن فقط أريد أن أوضح لك ولقارئك الكريم عدة أمور:
ـ لم يحدث إطلاقا أن تفوهت بكلمة تمس الأستاذ الكبير إبراهيم عيسى الذي أدين له بالفضل وسأظل أدين له بالفضل ماحييت.. قد أختلف معه في مقال كتبه أو في رأي اعلنه كما يختلف هو معي في مقال كتبته أو فيلم أو رأي.. لكن لم يحدث إطلاقا أن كتبت كلمة تمس شخصه ولن تقرأ ذلك أبدا.. تأكد من ذلك.. وإذا كان ذكاؤك حاول أن يربط مجموعة أشياء ليصور عكس ذلك فصدقني أنه قد خانك.. وأنا تقديري لإبراهيم عيسى ومحبتي له فوق الوصف.. هذا الرجل أعطى للصحافة ولمصر وللأجيال الشابة من الكتاب الكثير الكثير وأعماله هي التي تدافع عن نفسه 
ـ جميع الذين أشرت إليهم في مقالك مثل الأساتذة أحمد العايدي ودعاء سلطان وخالد كساب ومحمد هشام عبية وخالد السرجاني وغيرهم جميعهم أصدقاء أعزاء وبيننا عيش وملح واحترام كبير.. ولايعقل أن ننزلق إلى هذا المستوى الذي كتبته لو اختلفنا وابراهيم عيسى أكبر بكثير من أن يلجأ لآخرين لكي يختلف مع أحد.. هذا لو كان بيننا خلاف أصلا.. وقد كتب الأستاذ محمد هشام في موقع بص وطل مقالا أعتز به جدا عن فيلم بلطية العايمة وشرفني العايدي ودعاء بحضور الفيلم وقالوا لي عنه كلاما جميلا جدا
ـ أنا لن أدافع عن نفسي أبدا.. لأنني أعتبر أن أكبر دفاع عن نفسي هو أن أستمر في العمل فأصيب وأخطئ.. لكن صدقني أنا حزين جدا لأن كل هذا الهراء يدور بين أشخاص مثقفين ينبغي أن تكون معاركهم في ميادين أخرى.. والكلام يشملني شخصيا بما كتبته عن سمير فريد واعتذرت عنه بشكل قاطع.. 
ـ مع أني لاأحب إسداء النصائح وبالتأكيد أنت لاتحب تلقيها ربما من شخص مثلي تراه سلبيا.. لكن أتمنى أن تنأى بقلمك عن أشخاص الآخرين لكي تحظى باحترام قارئك دائما وأبدا.. وصدقني ماتخيلته أنت من امور في كتابتي عن سمير فريد لم تكن تخص الأعراض ولا الأمور الشخصية ويعلم الله ذلك لكن الأمر فهم خطئا في إطار المعركة ولذلك أصررت على أن أعتذر عنه 
وصدقني لو دخلت على الإنترنت لرأيت أنني يكتب عني أمور كثيرة خاطئة وفي العادة أكتفي بأن أشكو كتابها إلى الله إذا كانوا سيئ النية وأن أكتفي بإنتظار أن ينصفني الزمن إذا كانوا حسني النية 
أما شخص موهوب مثلك كنت أقرأ مدونته باستمتاع غالبا فكان لابد لي أن أرد عليه.. حتى لو لم يقرأ ردي هذا أحد غيره
لك تحياتي وتمنياتي أن يكون لديك شجاعة الإعتراف بالخطأ وإصلاحه 
وكل سنة وأنت طيب 
بلال فضل
belalfadl@hotmail.com

( 2 )

تعقيب شخصي على البوست لا علاقة له بردّ بلال :

أول أمس ، كنت أتحدث مع صديق عزيز أبدى إعجابه الشديد ببوست "المعركة" الأخير ، رأى أنه محبوك بشدّة وممتع ومكتوب بشكل رائع ، أخبرته بأن هذا قد يكون أقل ما كُتب في المدونة قرباً منّي ، ربما هو مكتوب بشكل جيّد بالفعل .. محبوك قصصياً .. كسر الإيهام به وصل لدرجة لم أتخيلها أصلاً ، إلا أنه مع ذلك يفتقر للجمال بشكل مزعج – بالنسبة لي كقارئ بعد أن انتهت علاقتي به ككاتبه - ، لا يوجد في أيًّ مما كُتِب في هذه المدونة بوستاً به هذا القدر من الطاقة السلبية ، الأمر أشبه بمشاهدة فيلم مُنفّذ جيداً .. رائعاً في جوانب صنعته .. إلا أنك تفتقر لأي تعاطف مع شخصياته بل تشعر وكأنك تبادلها الكراهية التي تكنها لبعضها البعض ، ولم أحب يوماً أفلاماً كهذه أو كتابةً كتلك ..

لماذا أصلاً كُتِبَ الموضوع بهذا الشكل ؟؟

للغضب الشديد من كل الشخوص الذين وردَ ذكرهم فيه ، ولغضب آخر من كل تردّي نعاني منه في كل المجالات .. الأدب .. السينما .. الصحافة .. السياسة .. كل شيء بالفعل ، ربما لأن من يتصدرون المشهد في كل مجال من تلك المجالات ينقدون الكثير من المظاهر في حين أنهم يعانون ما هو أسوأ منها ..

أساس البوست بالنسبة لي من البداية كان الفارق بين ما نقوله .. وبين ما نحن عليه بالفعل ، بلال فضل يكتب صباحاً عن السكان الأصليين لمصر ثم يعود مساءً – على نفس الطاولة ربما – ليكتب لهم حاحا وتفاحة .. يتحدّث دائماً عن الديمقراطية وحرية الرأي والتعبير في حين أنه يرفض أغلب – أقول أغلب حتى لا أسقط في فخ التعميم – ما يكتب رفضاً لأفلامه ولا مانع من أن يصف أصحابها بكونهم يكتبون نقداً أشبه بنميمة ستات البيوت – كما كتب عن حنان شومان ذات مرة – أو أن ينال بما هو أفظع من كاتب كسمير فريد – ولحسن الخظ أو لسوءه فمقال بلال وما قاله عن سمير حقيقي بالفعل وليسَ جزءً من خيال صاحب تلك المدونة :) - .. وهو كذلك ينقد كل شيء في مصر من رئيسها وحتى سكانها الأصليين ومع ذلك لم يُكْتَب يوماً نقداً ضد أيًّ من أفلامه على صفحات الدستور خلال أربع سنوات - ولا أعرف ماذا سيصبح الحال بعد أن انضم إلى المصري اليوم - ! ، سمير فريد ظل يكتب لعدة عقود .. يعلمنا ما هي السينما ويتابع تجاربها ويصبح جزءً أصيلاً منها كواحد من أكبر نقاد مصر ثم بنتهي الحال باعتبار "حين ميسرة" هو أفضل أفلام السينما المصرية للعام الماضي بل والأسوأ هو أن يكتب عن فيلماً لم يره كما حدث مع فيلم خان – في سلوك يفتقد لألف باء المهنية النقدية - ، كتاب الصفحة الفنية في الدستور الذين نالوا تقريباً من 80% من الأعمال المصرية التي تم انتاجها خلال السنوات الأخيرة لم يكتبوا حرفاً ضد أيًّ من أفلام بلال .. حتى تلك التي أعتقد باعترافه هو نفسه بسوءها – كحاحا وتفاحة أو علي سبايسي - .. ورغم اتهامهم الجميع بالسرقة فلم يشرّ أحد منهم ولو من بعيد لتطابق الحبكة الرئيسية لفيلم بلال "في محطة مصر" مع فيلم "آواك إن ذا كلودس" ، محمد علاء الدين يتهم بلال فضل بسرقة سيناريو رديء لدرجة البشاعة يدعى "ملاك النار" ليصنع منه "خارج عن القانون" في حين أنه هو نفسه – أي علاء – يسرق حبكة هندية شهيرة ومشاهد متطابقة من أفلام عصابات من أجل السيناريو الذي يتهم بلال بسرقته – مشهد الحصان الشهير في الأب الروحي تحوّل في سيناريو علاء لدلافين نادرة بنفس التتابع تقريباً !! - ، خالد كساب – الذي كان ممتعاً ومميزاً حين بدأ – حول صفحتيه فعلاً لمصطبه وشللية مزعجة دون أي رادع ، الكثير من الحدث عن الميثاق الصحفي والأخلاقيات المهنية .. في حين أن الكثير من الممارسات تناقض ذلك تماماً ، الأهم من كل ذلك .. وصدمتي الشخصية الأكبر ، إبراهيم عيسى ، الرجل الذي كان جزءً هاماً من الحراك الذي حدث بمصر منذ أربع سنوات ومن وقف بشجاعة ضد التوريث وضد الظلم وضد الفساد وضد وضد وضد ، وإذا به يحمل كل أوهمني – أوهمنا – أنه قد وقف ضده ، يتحدث عن التوريث ويجعل من أخيه – فقير الموهبة فعلاً – سكرتيراً للتحرير .. يتحدث عن الفساد في حين أنه يدافع بشدة عن صاحب القناة الفضائية التي يعمل بها والمتهم بنهب فلوس البنوك .. يتحدث عن الظلم في حين أنه ينال الآلاف من عمله كرئيس تحرير – عوضاً عما يناله من الفضائيات بالطبع – وفي المقابل لا يزيد راتب محرري الجريدة فعلاً عن خمسمائة جنية .. يقف ضد الكثير ويحلم فعلاً بمجتمع أفضل ويتهم المصريين بالسلبية – وكونهم "قرني" – ثم يقف أمام محرريه – الذين اكتشفهم .. والكثير منهم موهوبون فعلاً – كي يخبرهم "اللي مش عاجبه الباب يفوّت جمل" وأنه من أحضرهم من على الرصيف وإلى الرصيف يمكنهم أن يعودون !
الصحافة المستقلة في مصر التي شكلت لنا منذ أربع سنوات تقريباً – وقت السطوع الأول لحركة كفاية وما تبعها من وقفات القضاة وغيرها – حلماً جيداً بمجتمع أقل سوءً وظلماً وفساداً وأكثر إنسانية تحولت – هي نفسها – لكابوساً مزعجاً من التربيطات والتناقضات وافتقاد المهنية وحمل كل عيوب المجتمع الذي تحاول إصلاحه والسلطة التي تنقدها يومياً ..

الأمر في أساسه يتعلق بالازدواجية ، لو كان كل رموز المجتمع في مجالاته المختلفة على نفس الصورة التي يصدرونها للآخرين .. "مصر كانت هتبقى حاجة مختلفة" !!

أما فيما يخص البوست نفسه ، فالنقطة الأهم التي تبدت منذ اليوم الأول لنشره هي عن "ازدواجيتي" أنا نفسي ، هل كان مُباح أخلاقياً سرد أحداث جزء منها متخيل – تعاملت معه بشكل قصصي بحت – باعتبارها شيئاً قد حدث بالفعل ؟؟

هو سؤال موجود بالنسبة لي قبل نشر البوست أصلاً ! وحتى الآن لم أصل لإجابة ترضيني بشكل كامل ، لديّ شخصياً – قبل أي شخص – مشكلة أخلاقية مع طريقة سرد البوست – من قال ماذا - .. ومع ذلك اقتناع تام في أن واقع بهذا السوء يستحق كتابة بهذا الشكل – كما قال صنع الله إبراهيم ذات يوم - ، وفي جانب ثالث .. كان هناك إغراء قصصي بالفعل في كتابته هكذا ، وفي جانب أخير .. فهو نفس الأسلوب المستخدم في الصحافة المصرية بالفعل بدءً من الصفحات السياسية وحتى الصفحات الرياضية ، أسلوب فضائحي – كما وصف بلال البوست وهو ما أتفق معه فيه تماماً - ، الفارق فقط هو كوني تحدثت عن أشياء يمكن تبيّن نسبها لأصحابها ببساطة .. وتبقى المعلومات أو الأسئلة نفسها هي الأساس ..

تقديري فقط خانني في كون البوست كان محبوكاً أكثر مما أردت بالأساس ، لم أرد أن يكون السؤال هي أين الحقيقة وأين الخيال في البوست .. قدر أن يكون السؤال هو أين الحقيقة وأين الخيال في الواقع نفسه ، وهو شيء نجحت فيه في جانب معين .. وفشلت قطعاً في جانب آخر ..

أغلب ما ورد في البوست كان حقيقياً بالفعل من ناحية تساؤلاته عن جوانب معينة أو إظهار لتناقضات الشخوص الذين نالهم ، إلا أنني أعتذر لأيًّ ممن شتتهم البوست ، وأعتذر كذلك لمن ساءهم أن يُذكَر كلاماً على لسانهم وهم لم يقولوه ..

( 3 )

أما فيما يخصّ ردي على "كومينت" بلال .. وكذلك عموده ليوم السبت الذي يعتذر فيه لسمير فريد ، فكلاهما – الكومينت والعمود – كانا محترمين جداً لدرجة أشكره عليها بالفعل ..

أردت فقط أن أوضح شيئين ، أولاٍ أن كتابة البوست بهذا الشكل لم يكن لها علاقة بالشجاعة إطلاقاً ، كل ما في الأمر – كما أوضحت أكثر بالأعلى - أن هذا جزء من نهج الصحافة في مصر بالفعل ، وجزء من نهجك أنتَ نفسك - في بعض الأحيان - وفي عمودك الذي هاجمت فيه سمير فريد – وهو ما أشعل المعركة سواء في الواقع أو في خيال صاحب المدونة كما ذكرت أنتَ - ، فقد ذكرت معلومات عنه ليسَ هناك سبيلاً للتأكد من صحتها بل أنها تنال منه هو نفسه وليس فقط آراءه أو مواقفه المتناقضة ، دعنا نتفق على شيء .. أنا لا أحب سمير فريد ولا أحترمه خلال السنوات الأخيرة .. وأنتَ أيضاً كذلك ، ولكن ليس معنى ذلك أن تهان كرامة الرجل بالشكل الذي حدث لمجرد رفضه عرض فيلم تجاري كبلطية العايمة في المهرجان – وهو موقفي وموقف الكثيرين بالمناسبة - .. والسؤال الأهم بالنسبة لي حينما قرأت مقالك أول مرة – وقبل كتابة البوست بعدّة أيام – هو : لو كان هذا رأيك بشأن سمير فريد وأسلوبه النقدي .. فلماذا لم تعلنه إلا حين انتقد فيلماً من أفلامك ؟؟

بالمناسبة ، الحالة الوحيدة التي كنت سأتقبل فيها مقالك بالأسلوب الذي كتب به هو لو كان موجهاً لشتيمة خالد يوسف أو إدارة التسويق بالنادي الأهلي :) ، فسمير رغم كل شيء لم يصل لتلك الدرحة من الابتذال التي تجعلاً مقالاً كهذا حلالاً فيه ..

الشيء الثاني ، هو أن اعتذارك له شيء محترم قطعاً ، وإن كان – رغم ذلك – لا يصحح كل شيء ، أنتَ ذكرت عنه أشياءً وهو أنكرها .. في تلك الحالة أحدكما كاذب ولا يوجد خيار ثالث ..

على أية حال أشكرك جداً – رغم كل شيء - على اعتذارك لسمير فريد ..

وأنا أيضاً أعتذر لك – ولشخوص المعركة قطعاً – عن حق لكم عندي فيما ورد على لسان أيًّ منكم وهو لم يكتبه ..

وكل سنة وانتَ طيب أولاً وأخيراً بالطبع

( 4 )

بعيداً عن أي معارك :

أول إمبارح كنت بفكر إني عايز أكتب عن ألبوم على الحجار الجديد والجميل فعلاً ، كنت مبسوط جداً إن علي الحجار رجع بعد سنتين بألبوم جيد بعد ألبوم مخيب تماماً في "يمامة شاردة" ، وكنت مبسوط أكتر إن الساوند تراك بتاع العيد هيكون ألبوم حلو زي ده .. فيه فؤاد حداد وعبد الرحيم منصور وسيد حجاب .. فيه عمار الشريعي وبليغ حمدي وأحمد الحجّار ، فيه مجموعة شباب موهوبة فعلاً – حتى مع بعض الأغاني التي لم ترضنِ - ، وأهم حاجة إن فيه صوت علي مرة تانية .. على وهو بيقول "على قد ما حبينا وتعبنا في ليالينا ، الفرحة في مشوارنا تاني هتلاقينا" وبتصدقه فعلاً ..
كنت بفكر أكتب عن كل ده ، مش أكيد كنت هكتب .. أي حد بيتابع المدونة دي عارف قد إيه أنا كسول طبعاً ، بس لما قريت رد بلال إمبارح وبعدها قريت عموده اللي بيعتذر فيه لسمير فريد مكنش ينفع أكتب عن حاجة تانية ، حسيت إني عايز أتكلم شوية عن ظروف البوست وكتابته وأعتذر عن أي تشتيت حصل ، عشان أصفّي المعركة تماماً .. وأفتكر إن ده حصل 

كل سنة وحضراتكم طيبين يا جماعة
تنعاد عليكم الأيام وانتوا أحسن بإذن الله