11 يناير 2013


تَقدِيرات الله خَيّرة دَوماً يا فاطِمَة، حتّى في "ذَلِكَ الأمر"، الله لا يَقِفُ بعدَّادِ سَيّئات يَحسب به الوارِد من عبادِه، الله يَنْظر إلى القلوبِ والأرواحِ، ويَرْبُت على الكَتِف بينَ الحينِ والآخر إن اقترب مِنّا القُنوط.

القصة الإنجيلية تَحكي عن عابدٍ زاهِد صَعَدَ إلى الجبل كي يَصُلّي، وكان بجوارِه مُرابِي وسِكير، العابد نَظر إليه وحادَثَ الله بأنه سعيد لأنه يَعبده ويعلم بأنه راضٍ –حَتماً- عنه، لأنه لَيسَ كمثلِ هذا الرَّجل بجواره، ولأنَّه يَصوم مرَّتين في الأسبوع، ولأنه يَدَّخِر عُشر ما يملك ليُطْعِم المَساكين. والمُرابي كان يَقِف بعيداً، لا يَقدر على رَفعِ عينه إلى السماء، يَدُقّ على صَدره وفي نَفسه يَقول "أنا الخاطِئ".

والمَسيح، عَليه السلام، حينَ رَوَى القصّة لرفقتِه، أتبع بأنَّ المُرابي السّكير، ولَيْسَ العابِد الزَّاهِد، يَنزل إلى بَيته مَقبولاً من الله ومُكَفَّره ذنوبه.

الله لا يُبارح الطُّرق يا فاطِمَة، حتى المُعْتِم مِنها.

19 نوفمبر 2012

النور الذي يُحيي التماثيل


مُفتَتَح تأريخي:
في جُمعة «رد الاعتبار للشهداء»، يوم 2 ديسمبر الذي تلى معركة «محمد محمود»، كانت واحدة من أعظم تفاصيل الثورة: قام الثوَّار بوضعِ الشاش على أعيُنِ التماثيل المُتفرّقة الشوارِع، فبدا أن تاريخ مصر كاملاً يُشارك في تلك اللحظة.
.
.
.


(1)
مِسك الشَّيخ في يدِ الضَّرير



وَقتها، «عُمر مَكرم» كان شاهداً على ما يَحدث منذ الصباح، يَقِفُ هادئاً كما يَليقُ بشيخٍ عَجوز، ورغم الحُزن الشديد الذي شَعره حين اقتحمت قوات الأمن ساحَة الميدان، وضَربت المُصابين والمُعتصمين، إلا أنه حافظ على ثباته، مُسَبَحاً وداعياً لله في سِرّه.

ما دَفع الشَّيخ حَقاً للغضب هو مرور "أحمد حرارة" بجواره، مَحمولاً على الأكتاف، والناس حَوله يُحَوْقِلون ويتهامَسُون، عن ذلك الطبيب الذي فَقد عَينه في الثورة الأولى، يَوم 28 يناير، وظل مُصمماً على التوجُدِ في كُل الأحداث من ذَلِك الوقت، حتى أصيبَ منذ قليل في العينِ الأخرى، وأصبح، لا حَول الله، في خَطر ألا يَرى ثانيةً.

عين «حرارة» كانت الدليل الأول في نُوفمبر البعيد هذا على أن «ثورة ثانية» آتية، وأن المَعركة القادِمة لن تنتهي قريباً، وأنّ النُّور الذي صَار يَخجل من عيونِه، سيَجِدُ طَريقاً آخر إلى قلوبِ الناس، تماماً كقلبِ «عمر مَكرم» الواقف بالجوار، وقرر في تِلك اللحظة أن يترك مَكانه ويذهب بين الثوار.

تَرَجَّل لدقائق من أمامِ مَسجده ليذهب إلى شارع «محمد محمود» في النّاحيةِ الأخرى، دَخَلَ ثائِراً، يَشُمُّ الغاز ويَحْدِفُ الطُّوب ويَصيح مُحَفزاً بين الحين والآخر «الله أكبر»، فيزداد الناس أملاً وإيماناً، قبل أن يَؤمّ الشهداء في كُل موعد للصلاة، ويُذكرهم بأن الله الذي حَفِظَ إبراهيم من النَّار.. سيحفظ الثوار أيضاً.

لأيامٍ ظلَّ يَفعل ذَلك، يَدعو لحرارة في كُل وقت، ويُتابع أخباره من بعيد، ويحزن حَتى بياضِ العين حين يَعرف بأنه لَن يرى ثانيةً.

ولَم يَترك «عُمَر مَكرم» الشارع إلا حينَ علم أن حرارة نَزِل إلى الميدان، ليزيد من حماسِ ثواره ويقينهم، هَرْوَلَ الشَّيخ إلى الكَعْكَة، اقترب من الجَسَدِ ذو الوَجه المُبتسم، و«حرارة» لَم يَرَ.. ولكنه شَعر بمن يُقبّله فَوق رأسه، وحين حاوَل أن يُمسِك بيد المُقبّل، لَم يَشعر إلا بمسكٍ طَيّب الرَّائحة.
 



(2)
نَجِيب الذي تَرَكَ الكَنَبَة ونَزِل إلى الميدان



لم يَكُن «نجيب» مع الثورة حينَ قامِت، أو –في أفضلِ الأحوال- كان موقفه حيادياً ومتأملاً لما يحدث، كان مُكتفياً بما جاءَ في خِطابِ 1 فبراير، ويراه مثالياً، صَحيح أنه شَعِرَ بالفرح في لحظة التنحّي، ولكن ذلك كان لأنه يرى تِلك اللحظة، التاريخية دونَ شَك، وليسَ يقيناً بشأنِ الثورة ومسارها.

ظَلّ مُتابعاً لشهورٍ، يَشعر بالقلق أغلب الوَقت، يتذكر آفة النسيان في حارتنا، ويخافُ من الثورات يُنفذها الشُّجعان، ولكن الفائز في النهاية هم الدهاة والجبناء، يؤمن بالطَّرِف الثالث وبالأيادي الخفيّة، لذلك فهو لم يذهب إلى الميدان في أيّ مرة، وفضَّل أن يُتابع صامتاً، دون اتخاذ أي موقف.

وحده «رضا عبدالعزيز» هو الذي دَفَعَه للنزول، كان يَسمع لأيامٍ عن الاشتباكات الدائرة، عن العيونِ التي تّذهب، والشُّهداء الذين يَصعدون، عن الميدان.. وشارعه.. والحياة التي ارتدَّت فيهم، ويتابع الناس وهم يحتفلون –رغم خسائرهم- بما بدا أنها حرباً لحريّتهم، حتى عَرِفَ –عن طريق مقال «إبراهيم عبد المجيد» الذي داوَم على قراءته- بحكاية «رضا».

«رضا عبدالعزيز محمد زُهير» كما حَفِظَ اسمه، الشاب الصغير.. ضئيل الحَجم، الذي لا يزيد عمره عن 19 عاماً، الفقير، الذي يعيش في «عزبة الخصوص»، والذي أنهى وَردية عَمله يوم 20 نوفمبر واتجه نَحو الميدان، ليساهِم في نقلِ الجرحى، وأثناء إسعافه لمصابٍ.. اقتربت منه عربة أمن مَركزي.. وقامَ عَسكري بإطلاق الخرطوش على عَينيه، ليفقد «رضا» النّور كُله.

فَكَّر «نجيب»، بأن هؤلاء الفقراء هم مَن ظل يَكتب عَنهم، وأرادَ أن يُعرّف العالم بأجملَ ما فيهم، وأن شاباً صَغيراً عَرِفَ الإيمان لآخر ما يكون كان هو –ببساطة- «أجمل ما فيهم»، ما يَصلح –كما فَكَّر- لفصلٍ حادي عَشر في «الحرافيش» لو كان قادراً على الكتابة.

تَحرّك «نجيب» بهدوء من مَكانِه في ميدان «سفنكس»، مُستنداً على عَصاه، طَلِع إلى كُوبري «مايو»، ومَشى على كورنيش النّيل، حتى وَصَلَ إلى التحرير، وعلى الرغم من أنه لم يَدخل إلى شارع «محمد محمود» إلا أنه جَلَس في مُنتصف الميدان، بنظرٍ مُعلقٍ عَليه، وحينَ علِمَ أن «رضا» سافَرَ إلى ألمانيا لإجراء عَملية، قام بالدُّعاء كَثيراً، وقرر أن يَستقبله في المَطار حين يعود.



(3)
قلبُ «أم كلثوم» الذي لم يَحْتَمِل



حَيّها الهادئ في الزمالك لم يكن ينقل بدقة ما يحدث، فقط سَمعت بعض الكلمات المتناثرة على مدار أيام حول ما يحدث هناك في «محمد محمود»، وحول كونها اشتباكات ظنت أنها عادية.

لم تُدرك «أم كلثوم» ما يحدث إلا في يومِ تلك المسيرة التي مرّت أمامها في شارع أبو الفدا بعد أسبوع من بدء المعركة، كان المتظاهرون يضعون شاشاً على عينٍ من أعينهم، ويحملون صوراً كثيرة لرفاقٍ لهم أصيبوا في العينِ.

ابتسامة «مالك مصطفى» كانت أكبر مما يحتمل قلب أم كلثوم، صورته الشهيرة التي حملها رفاقه كانت قاسية، يسير قوياً بعد أن أصيب، مُبتسماً رغم كل تلك الدماء على كوفيّته، ويشعر النَّاظرين بالخَجَل والرغبة في أن نكون أقوى، فقط لأجلِ عينيه.

و«أم كلثوم»، التي لم تترك حَيها منذ سنين، نزلت بَين الناس، وَضعت هي الأخرى شاشاً على عينيها وثارت في المسيرة، وحين وصلت إلى الميدان.. ألقت السلام على نجيب الجالس في هدوء وهنأته على «نوبل» للمرة الأولى، ثم وقفت بجانب الدكتورة «رانيا فؤاد»، الشهيدة الوحيدة في الأحداث، لتصلي وراء «عمر مكرم» وبقية الشهداء.

وفي المساء، ورغم كل شيء يحدث، حافظ المصريون على عادتهم الوحيدة التي أبقوا عليها طوال عقود، وملأ صوتها سماء القاهرة من كل الراديوهات، وسَمعته مع السامعين.

الراديو كان يذيع «رق الحبيب»، والناس بدوا طَيّبين وبخير، نَسوا كل شيء إلا صوتها، وحين وصلت إلى الجزء الذي تقول فيه «حرمت عيني الليل من النوم لاجل النهار ما يطمني»، ظنّت أم كلثوم أنها سَمعتها «حرمت عيني من النور»، فابتسمت وأدمَعَت، وقررت أن تبيت بالميدان في تلك الليلة.


14 نوفمبر 2012

فإنَّكِ بأَعْيُنِنَا




في نُوفمبر من كُلّ عام.. أشاهِد فيلم The Best of Youth، عَمَل إيطالي أُخْرِجَ عام 2003، تَدور أحداثه خلال أربعة عقود، وفي سِت ساعات من الزَّمَن.


في المُشاهدة الأولى، 3 نوفمبر 2009، شاهدته من فَجْرٍ حتّى صَباح، أدرَكت أن ما من شَيءٍ مُبهر في الفيلم، حِكايات عاديَّة، متوسّطة الأهمية على الأغلب، تَسير بإيقاعٍ هادئ، وبانتقالاتٍ تَبدو ميلودراميّة في بَعض الأحيان، ولكنّ مع ذلك كان شروقاً بَدِيعاً ، اعتبرت فَتاة الفيلم هي أجمل فَتاة رأيْتُها رُبما، والفيلم نَفسه ضمن أعظَم ما شَاهدت.


بالنِسْبَةِ لي، كان عملاً مُدهِشَاً، لا يُحاول أن يَخْلِق دراما جَيّدة، كان يَطْمَح في الحقيقة إلى خَلقِ حَياة، ولذلك فمع مُضِيْ الوَقت.. الساعة الأولى رُبما.. أصبحتُ أخاً ثالثاً لبطليه، وفي الثالثة صِرْتُ أملِك الذكريات، وعند الخامسة بَدَا أن الرَّبت على الكَتِف مِن تِلكَ المَسافة مُحتملاً، مع نهاية الفيلم في التاسعة صَباحاً.. كَان مَعي حَياة، حتى لَحظات المَلل التي حَدَثت في المُنتصف.. ابتسمت وأنا أفكر بقولِ ابن سَلمى "ومَن يَعِش ثَمانين حَولاً -يا مُحَمَّد- لا أبا لك يسأم"، فبدا كم أن هذا فيلماً كاملاً.

لا أعلم هل أدركت حينها أم في وقتٍ لاحق أن عملاً كهذا، رغم كل شيء، ستزداد قيمته بالزَّمن، وبدأت –مُتعمّداً- في روتين مُحَبّب، استعادة الذكريات مع الأصدقاء القدامى، في زيارةٍ بنفسِ المَوعد كُل عام، كفتحِ ألبومات الصُّور، والأُنْس بالوشوش ودَقائق المَلامح، والسَّهَر للتاسعة صَباحاً حتى نَنَام من التَّعَب، وأستيقظ فلا يَمْسُوا بالجوار.


بعدها بيومٍ، في 4 نوفمبر، عَرِفتُ بروفايل "ندى" للمرةِ الأولى، نَدى مِتولي، "أخت مُصطفى مِتولي"، أحد شُهداء بورسعيد

لا أعرِف هل بدأ ذلك من الصورة التي وضعها عبد الرحمن، أم من صورة "محمد محمود" الأخرى التي قام الجَميع بتناقُلها، كل ما أعرفه أن ساعات من هذا الصّباح، وساعات كثيرة من صباحاتٍ تالية، قُضيت فقط على بروفايل نَدى.

كُنتُ أعرِف مُصطفى، أو –تحديداً- عَرفته بعد استشهاده، الصور المُتتالية بينه وبين "ماهيتاب" جعلته قريباً، جعلت ملامحه حاضرة دائِماً، وحين تحدَّثت معي في مرةٍ طَويلة عَن حُضرته.. صِرتُ أملك ذكرياتاً مَعه، كانت تأنَس بالحَكِي، وكُنتُ أأنس بشعوره قَريباً، وكانَ شهيداً.. يأنس بالذّكرِ.

لذلك، ألِفْتُ من البداية أن تتحدّث ندى عنه، لأنني أعرفه، بعض الوقت مَر في القراءة.. لأدرك بعدها أنها تراه حَيّاً، تَوقف التَّرتيل عند "بل أحياء..." وكَفى، ما كان يعني بالنسبة لها أن تتذكّره في كُل وقت، وتُحادثه كأنه موجود، وتحكي عنه كمن لم يزل حياً، ترتب غرفته في كل صباح، وتحكي له ليلاً عن ذكرياتِ اليوم، تُذكره بصيامِ الإثنين والخميس، وتحتفل معه في كُل عِيد.

ندى تَفعل ذلك بابتسامة عَظيمة، النَّاس يَبكون حَولها على الأغلب، يشعرون بحزنٍ شديد –تماماً كما شعرت وأنا أقرأها-، ولكنها تَبتسم، تُصدّق فعلاً أنه بالجوار، وتتأكد من ذلك في كل مرة تراه بأحلامها، ومر تِسعة أشهر وهي تُحادثه فتستبقيه، ولا يَذهب من حولها أبداً.

سنظل نَشعر بالحُزن كلما نقرأ كلامها إليه، ولن نفهم أن الله أنعَم على ندى الشعور بالشهداءِ أحياء، تأكّدت من ذلك حين قرأت حَديث الأستاذة نشوى، زوجة الشيخ عماد عفّت، وقت حَضرت وقفة الشهيد عِصام عَطا، "مُمْسِكَةٌ بِطرِف ثيابه، ومُرَفْرِف فَوقها" وتشعر أنه هنا، كان فصلاً عن رحمةِ الله الكريم الذي "يُطَبْطِب"، أردتُ أن أرسله لندى كَي يؤانسها، وحين دَخلت عِندها.. وجدتها وَضعت الحَديث وهي تسأل مُصطفى "مش بيفكَّرك بحاجة الكلام ده؟:)"


خَمسة أيَّام بعدها لَم تَكُن جَيّدة، قبل أن يَنتهي كُل شيء في صباح 9 نوفمبر، استيقظت، وكُنت أجلس مع أمي في الغرفةِ الأخرى من البَيت، عمر وعلي يستعدون للذهاب إلى الجامعة والمدرسة، والقرآن مُشغّل على التلفزيون كما جَرَت العادة، وللصُّدفة انتبهتُ إلى الآياتِ الأخيرة من سورة الطّور، واستمعتُ جيّداً.

كانت المرة الأولى التي أُقدّر فيها كم أن تِلكَ الآية من أجمل الآيات القرآنية، وأكثرها مؤانسة.

قرأتُ السورة كاملة، وبَحَثتُ بعدها عن أسبابِ النزول، لم يُذكر الأغلبية أكثر مما هو في مَتنها، نُزِلَت للحديثِ عن المشركين والمُنافقين، ورداً للبلاءِ عَن النَّبي، وَحده "جلال الدين السيوطي" أضافَ تفاصيلاً: اجتمعَ أهل قُريش في بداية الدَّعوة، واتفقوا على تَدبير خَديعةٍ للنّبي، القبض عليه ثم حبسه في وثاقٍ، وتركه كي يَموت ويَهْلَك كما هَلَكَ من قبلِه الشُّعراء،  فنزلت السورة.. طَمْأَنَة لمُحَمْدٍ –صلى الله عليه وسلّم- في كُلّ مَوضع منها.

ولكن آية منها لم تَكُن سلاماً على قلبِه كتلكَ الطَّمأنة البَدِيعة في الخِتام، "فإنَّكَ بأعيُنِنا".

 أفكَّر دائماً في الصورة الإنسانية للإله، ذلك الذي يُحب الشُّهداء، ويؤانس أقربائهم، ذلك الذي ابتلى أنبياءه الأقربين أكثر من غَيرهم، وكم كان مُحباً لهم كبشرٍ، درجة التواجُد في الأعين، درجة تَوثيق ذلك في كِتابِه، كي تكون مؤانسة دائمة لمَن يَرى، "اصْبُر".. "فإنَّكَ بأعيُنِنَا" و"لَسَوفَ تَرْضَى".

كان صباحاً طَيّباً، لم يَفُت فيه الكثير من الوَقت قبل أن أجُدُ رسالةً طيّبة مِنْكِ


منذ عام، أو يزيد، كُنت أكثر جرأة في التعبير عمَّا أشعره عَلناً، شريف كان يرى أن هذا ليس من الصوابِ في شيء، لأن الحياة لا تبقي الأشياء على حالِها، ووقتها تُصبح الذكريات المُوَثقة أكثر إيلاماً لكافة الأطراف، ولكن ليس هذا هو السبب في الجرأة الأقل، لأن الذكريات لا تُنسى على كُل حال، وتِلكَ العابرة التي تتذكرها في الطريق إلى العَمْل، مثلاً، أكثر قسوة بكثير من بوست قديم على مُدَوّنة، تعرف عمّن كُتِب وماذا كُنت تشعر نَحوه حينها، كل ما في الأمر أنني صِرت أقل جرأة عموماً.. هكذا دونَ أسباب.

منذ عام، وحين أعودَ على "التايم لاين" في الفيس بوك للتوثق من بعض الذكريات الخاصة بمحمد محمود، أجد أن الكثير من الأشياء تغيَّرت دون أن أتغيَّر أنا كثيراً، فضل كان في الحِج حينها، كُنت أشاهد أفلاماً عَظيماً، أقرأ رواية عن أم كلثوم وأكتبُ جواباً، أراسِلِك يومياً حين كُنتِ مُكْتئبة كي أستبقيكِ بالحياة وأؤكد على ما يَربُطِك بها، هُناك جملة عَظيمة وجدت أنني كتبتها عنك في 6 نوفمبر 2011 ونسيتها تماماً حتى عُدْت.. كانت «لأن المسافة بين القاهرة ونيويورك تكون أحياناً أقصر كثيراً مما هيَ عليه».


بعدها كانت أيام «محمد محمود» العَظيمة، وإبراهيم أصلان الذي عرفته من جديد في أوقات الهُدنة بين الاشتباكات، كان هُناك «ستاتس» آخر كتبت فيه «لمّة الشوارع ونومة الأرصفة»، ابتسمت من جديد وأنا أسترجع ذلك.

كانت أياماً نوفمبرية عَظيمة، هادئة رغم كل شيء، وأعتقد أنني سأتذكر أيامي النوفمبرية الحالية بعد عام بنفسِ الأوصاف، يحيى تِلكَ المرة من كان يَحِج، وشاهدتُ أفلاماً عظيمة، عرفتُ رَبيع جابر، وسَمِعت أم كلثوم –كالعادة- أكثر مما سمعت أي بَشريّ آخر، ولازالت المسافة بين القاهرة ونيويورك أقصر مما تبدو أحياناً، وأنتِ لازلتِ تِلك الفتاة الطيّبة والبديعة التي عرفتها حينها.

لا أعرفُ لماذا أحكي لَكِ كُل هذا، لم أُفكّر، فقط على مدار الأيام الماضية عرفتُ أنني سأكْتُب لكِ اليوم، «لأجلِ هِبَة» كما تُحبّين، وأردت أن أحدّثك عن الفيلم، وندى، وصباح الآية الكريمة، وتِلك الأيام النوفمبريّة قبل عام، وعَنْكِ أيضاً، فَحَدّثتكُ، ولم أحاول أن أجد رابطاً، ليس ذلك بالأمرِ الهام.

أفكر الآن فقط بما أخبرتِك به كثيراً، عن أن الله كان دوماً بجوارِك، بطولِ المَسافة من السعودية إلى أمريكا، فالأقدار -رغم كُل شيء- تَكون طيّبة مَعِك.

وأفكّر أيضاً بأنني لا أعلمُ شيئاً عن المُستقبل، التجربة تُثبت أن البشر أغلب كثيراً من الظّنِ بمعرفةِ أي شيء عن الآتِ، ولكن الذكريات هامّة، الأهم في الحقيقة، ما يُبقيه الناس بداخل بعضهم، وما لَكِ دَوماً كان كبيراً.

ومَبْلَغ القول يُمكن أن يكون تِلكَ الآية التي آنَسَ بها الله عَبده الأقرب، «فَإنَّكِ بأَعْيُنِنَا» يا هِبة، بكل ما تحمله الكلمتين من طَمْأنَة ومؤانَسَة ومَحَبَّة، «فإنَّكِ بأعيُنِنَا».

كُونِ بخيرِ دَوماً يا أعزّ الناس

14 نوفمبر 2012
السابعة صباحاً بتوقيت القاهرة- الثانية عَشر بتوقيتِ نيويورك

11 سبتمبر 2012

ستة أمثال عن انتصارِ الرّوح: أو ما يتبقى من الناس بعد ذهاب المؤانسة


في البدء: ست حكايات عن المؤانسة


(1)
مَثَل الشيخ المَجبور





كَثيرون لَم يَفهموا، على الرَّغمِ من استفاضةِ الجرائد في الشَّرح، كَيفَ أن خِصام دام لثلاثةِ عَشر عاماً قد انتهى بخطبةٍ من قاضٍ وجملةٍ من شيخ؟

في البدء كان الشّيخ على حق، حين رأى أن له عائداً مادياً في الإسطوانات التي بيعَت لأغانٍ من ألحانه، وكانت الأنجح ربما خلال الأربعينات

والسّت، رأت أن خلافاً مادياً لا يجب أن يجعله يتجاوز العِشرة، أمانة العيش والمَلح على أصحابِهم، ويَسِر إلى "القصبجي" و"السنباطي" بالتوقُّف عن التَّلحين لها حتى تُزيد أجرهم، ثم يُصَرّح عنها للصّحفِ والجرائد، وكأن خمسة وعشرون عاماً من الرّفقة قد ذهبت سُدَىّ

كان كُل منهم بحاجة إلى تَطييبٍ للخاطِر، ولكن سنوات من العند والخِصام لم تُزد كل منهم إلا جموداً، وتبتعد الأيام القديمة –حرفياً- مع كل يوم يَمُر

كان زكريا يجلس على مقهاه المُفضَّل، مع "أهل الهوى"، يَرى صوتها وهو يملأ سماء القاهرة، وألحانه في المُقابل تَندثر وتُنسى بعيداً عنها، يَغْلُب من مُصالحة رَوحه، ثم يَكادُ يَنكسر حين يسمعها تغني كلمات "بيرم" من ألحانِ غيره، فيُهَدْهَدَ نفسه بالآهاتِ والأمل

والسّت في المُقابل لَم تَنْسَ، ولكن طِباعها العَنيدة والصَّلبة مَنعتها من جُبران خاطِره وهي في موقفٍ أقوى، خصوصاً حين التجأ إلى القضاء واتَّسَع الأمر أكثر، فأقسمت ألاَّ تَتَراجع، واكتفت بغناءِ الألحان القديمة في كُل مَرَّة افتقدت فيها لوجودِ الشيخ بالجوار

وكُل هذا قد انتهى في صُبَيْحَة يوم عادي من عام 1960، حين ذَهب كلاهما إلى المَحكمة، وأمام القاضي "عبد الغفار حسني" الذي ظَلّ يُحاول تَطْييب ما تركته الأيَّام لساعتين أو يَزيد، حتى نَطَقت السّت بكونها تُقدّر زكريا كثيراً وترتاح إليه، فردَّ الشَّيخ بأنها أعزّ الفنانات إلى نَفسه ولا يَقدر على مواصلة التقاضي مَعها، بَكَى وبَكِت، وبدا أن ثلاثة عَشر عاماً من الخِصام كانوا أهون كَثيراً من حُسْنِ الخاطِر المَجبور

خلال البقية الباقية من عام 60، اتفق الشَّيخ مع السّت على أن يُلحّن لها ثلاث أغنيّات، ولكن لَم يُمهله العُمر سوى لأن يسمع أغنية واحدة أخيرة لها منه.. وربما كان مَبلغ المَثَل في كَونها الأعظم: هو صحيح الهوى غلاّب؟

وكثيرون لم يعرفوا كيف انتهى خِصاماً طويلاً بخطبةٍ وجُملة، ولكن الإجابة كانت في السؤال.. الهوى غَلاّب



(2)
مَثَل الابن الضَّال



تِلك الليلة الباردة في باريس عام 2006 لابُد وأن لها دَخلاً في كُل ما جَرى بعد ذلك، "هنري" كان ينظر إلى "بيريز" الذي يخرج من الملعب بعد سبعة عشر دقيقة فقط من نهائي دوري الأبطال، يَشعر بثقل الخَيبة على وجهة بعد أن ظلوا لسنواتٍ يطاردوا هذا الحُلم مَعاً وفي النهاية لم يُمنح حتى بعض الوقت، الأسمر كان يُدرك أن تِلك المباراة لو لم تَنته بالفوز ستكون النهاية لأحد أعظم الأجيال في تاريخ كرة القدم

"فينجر" في المقابل لم يستطع النّظر في عيني "بيريز" مطلقاً بعد إخراجه من المباراة، ورغم يقينه الذاتي بأن ما فعله كان الصواب، لكن أحداً لن يفهم أن طرد حارس مرماك بعد ربع ساعة من النهائي الذي انتظرته لسنوات قد يدفعك لخيارات قاسية، ليست خيارات مُفضَّلة بأيّ حال

خَسر أرسنال النهائي في الدقائق الأخيرة، بيريز لم يَلعب بقميص النادي مرة أخرى، وهنري عَلم أن عِقد الفريق الأسطوري الذي فاز بالدوري دون خسارة قد بدأ في الانفراط، ذلك الذي حدث أسرع مما يظن

اعتزال "بيركامب"، وخروج "فييرا" ثم "بيريز" و"كامبل" و"لورين" في نفس الصيف، جَعل "هنري" يَمشي وحيداً في كُل مباراة، يَشعر بأنه يجب عليه أن يحمل ثُقل 10 لاعبين آخرين لأن الأنظار دائماً ستوجّه نَحوه، حِفنة من الأطفال يُنتظر أن يكون لهم أكثر من مُجرَّد قائد، مُلهم ومُخَلّص في كل مباراة، ما الذي يُمكن أن يبقيك هُنا؟ هل من الممكن أن تحقق شيئاً؟، يتوجه بهواجسه إلى "فينجر" بوضوح: "هل ستشتري أحداً هذا الصيف؟" ويُجيب المُعَلّم الفرنسي بأن "هؤلاء الفتية يَكبرون، يجب أن يشعر فلاميني وهليب وفابري وبيرسي بالثقة، بأن أرجلهم مُثبّتة في الأرض"، يُفاجئ هنري بأنه سيتخلى حتى عن "جيلبرتو" و"ليونبيرج" ليكتمل شعوره بالصحراء وَسط العُشب الأخضر، لماذا إذن لا يَقبل عَرضاً من برشلونة؟ ذلك الخِصم الآخر في نهائي باريس، "لقد أصبحت في الثلاثين، أريد على الأقل الحصول على دوري الأبطال"

رَحَل "هنري" إلى الجنوب، تاركاً وراءه إرثاً ضخماً لأعظم سنوات عُمره، ومن جَديد شعر بالغربة، كابنٍ ضال تلاحقه الوجوه المألوفة للوَطَن، صرخات الإنجليز الهيستيرية في المدرجات أو القسمات الحادة لوجه "فينجر" العجوز، كل ما لم يكن موجوداً في كتالونيا كان يُلاحقه، ورغم حصوله على دوري الأبطال بعد ذهابه بعامين إلا أن ذلك كان أقل من فوزِ مباراة واحدة هامة مع الأرسنال

في الموسم التالي أصبح "هنري" احتياطياً، كَهل في الثالثة والثلاثين لا يُعامل بالاحترام الكافي بعيداً عن الأهل، والأمور كانت تسوء مع أرسنال بالتوازي بفريقٍ لا ينضج، وظل هو –رغم العَتَب والغياب- رمز جماهيره الأول، ابن ضال فَضَّل الرحيل ولكنه في النهاية يَظَل ابناً، تُنتظر عَودته كالحلم، ويذبح له العِجل المُثْمِن إن جَاء، وهو ما حدث ليلة 31 مارس 2010، وفي الدقيقة 75 من مباراة الأرسنال وبرشلونة، الزيارة الأولى لهنري إلى ملعب الإمارات، حين نَزَلَ بديلاً، يشعر بالغربة من جديد وكأن كل الأرض قد صارت ضيّقة، لولا أن انتشلته تِلك التحيَّة العظيمة لستين ثانية أو يزيد، وقف فيها الجمهور كاملاً ليستقبله، مُحتفياً بأثرِ العِشرة مَهما تَهون، قوياً ومؤازراً ويصرخ باسمه حتى وإن كان غريباً، ليصبح الضيف أهلاً من جديد ويذوب الجليد في صَدره ببطءٍ

بعدها بعام عاد هنري إلى أرسنال لمدة شهرين أشبه بالحلم، وكأن الأيام عادت للوراء، وعند رحيله ثانيةً، إلى أمريكا هذه المرة، كان يعلم أن هناك وَطناً ينتظره مهما ابتعد، ولم يَعُد الضال ضالاً بعدها أبداً 



(3)
مَثل الصديق الخائن




"عندما يخونك صديقك يجب عليك أن تَرد، افعل ذلك"، تِلك هي الطريقة التي كان "ماكس" يرى عليها الأمور، ولكن ما استكانَ إليه "نودلز" في النهاية كان الخيار الوحيد الصائب الذي اتخذه طوال حياته.

في العمل الأخير للمخرج "سيرجيو ليوني"، والذي استغرق فيه 14 عاماً من عمره حتى يُخرجه إلى النور، يتجلَّى في جانبه الأعظم جزئية نادراً ما اكتملت سينمائياً بتلك الصورة، وهي الذكريات، أن تكون جزءً من التجربة ولستُ مشاهداً لها، أن تتورَّط تماماً في الماضي الذي يحمله الشخصيات على عاتقهم، وتتفهم –لدرجة المُعايشة- كل خياراتهم وردود أفعالهم.

في الفيلم، تَدور الأحداث في قرابة الخمسين عاماً، نُشاهدها في أربع ساعات على الشاشة، و"نُعايش" أجزاءها الأهم، ولذلك فما يحدث في الساعة الأولى من زمن الفيلم
/السنوات الأولى من حياة الشخصيات، يتحوَّل في نهاية الساعة الثالثة –بعد أن صاروا كهولاً- إلى جانبٍ أساسي من ذاكرتنا وذاكرتهم، نُصبح مُثقلين به معهم درجة اتخاذ نفس القرارات.

"ماكس" الذي أَوهم "نُودلز" بكونه مَيتاً وتركه ليضلّ بعيداً يَصف الأمور بدقة عن "عينيك المغرورقتين بالدموع لدرجة أنَّك لَم تَر أنني الشخص المحروق على جانب الطّريق"، ويُجمل ما حدث بذات الوضوح "أخذت منك كل شيء، حياتك كلها، ولم أترك لَك إلا 35 عاماً من الحزن لأنك قتلتني"، التساءل بعدها يأتي في مَحله "لما لا تُطلق النار؟".. لما لا تَنتقم عزيزي "نودلز"؟

الإجابة لا يمكن أن تكون مُقنعة إلا بمُعايشتها، تِلك اللحظة التي يتوجّب عليك اتخاذ قرارات تؤثر على بقيَّة حياتك، إما أن تَنصر رَوحك أو تُلطّخها، "نودلز" كان يَعلم في تلك اللحظة تحديداً ما يتوجَّب عليه فعله، أن يَحفظ ما تبقى له، وأن يحفظ نفسه قبل كل شيء، ربما لأن خيانة الأصدقاء لا تُرد بالانتقام، ولكن بمساحاتِ النَّدم التي تتركها لهم.

يسأله "ماكس": "هل هذه هي طريقتك في الانتقام؟"

رُبّما كان الأمر كذلك، ولكنها أيضاً الطريقة التي أرى بها الأمور



(4)
مَثل يوسف وأخوته


هُناك العديد من الأسباب التي تجعل سورةِ "يوسف" هي المُفضَّلة عند مُعظم المصريين، الجانب القصصي الواضح والممتد من مَطلع السورة حتى آخرها، الحكايات المُتداخلة عن خيانة الأخوة والأب الثَّكِل والابن الضال دون اختياره، البلاغة القرآنية في لحظةِ الإغواء وقتامة جدران السّجن المُغلق لبضع سنين، ثم انفراجه بَعد ضيق، بسبعِ سنوات عجاف وسبعَ سُنبلاتٍ خُضر، وصولاً لتأويل الرؤى وسجود الشَّمس والقمر وأحد عشر أخاً.

ورغم ذلك، فإن السبب الأهم من كل هذا هو كونها سورة مثالية للمؤانسة، بالحُزنِ قبل أي شيء، وبانتظار تأويل الرؤى حتى عند اليأس، هِي سورة الرَّبت على الكَتف والبِشر بالصَّبر الجميل.

ومن بينَ كُل لَحظات الشدّة المُتتالية على مدارِ القَصَص في السورة، تَبدو لَحظة افتراء الأخوة على "يوسف" بعد اجتماعهم هي اللَّحظة الأقسى، عشرون عاماً أو يزيد قد مَرّت، هُناكَ الرَّمي في البئر والحِرمان من الأبِ والعَشيرة والبقاءِ ضالاً كغريبٍ حتى إن عُرِف، ولكن شيئاً من هذا لم يَكُن كتلك اللحظة التي رَأوه فيها دون أن يعرفوه، وافتروا على سيرته كذباً وقالوا "فقد سَرَقَ له أخٌ من قبل"، وكأن هذا هو ما يأتِ به ذكره طوال ما خلى من سنين، وكأنَّهم قد صَدَّقوا حِكايتهم حتى صارَت حقيقة بالنسبة لَهُم، فكان الأمر عليه أسوأ من غيابةِ الجُبِّ

ويوسف أَسَرّ الحُزنِ في نفسه، لم يُبدهِ لهم، وَضعه بجانِب كُل تِلك الرؤى التي تَنتظر التأويل، مُوْقِناً أن الله قَريب

أربع عشرة آية أخرى.. كان الأخوة يَطلبون الغُفران لأنهم خاطئين، فاكتفى المَكلوم بالعَتَب "هل علمتم ما فعلتم بيوسف وأخيه؟"، قبل أن يَرْحَم في آيةٍ تالية هيَ الفَصل في انتصارِ الرَّوح .. يُخبرهم فيها ألاَّ تَثريب عَليكم اليوم، وما يَتبقى منكم هو قميصٌ يُلقى على وجه الأب الكَظيم حتى يَرتد بَصِيراً، ويأتون إليه جميعاً.. يَعقوب كالشَّمس والأم كالقَمر والأخوة أحدَ عَشر كَوكبا، فتكتمل الرؤية والحَمد، ولُطْف الرَّب ولو بَعد حين


(5)
مَثَل الخير لأنفسكم


كُل واحدٌ منكم لَديه نَبْتَة صَالِحة، يَرويها كل يوم كي يحميها من الدَّهر، فإن أتى له أخٌ يُدنّسها، أيذهب وراءه ليؤذيه؟، أم يتركه ويجلس بجوارِ النّبتة حتى يُطَهّرها؟، أقول لَكم: هكذا يكون الفرح في السماء، بروحٍ لا تَقبل الدَّنس، وتترك المُدَنِّس ليشقى في البرية

وفي هذا أيضاً مَثل "الرفقة الصَّالحة"، كُل منكم يَمشي سنيناً في وادي الظُّلمات، ألا يُحيط نَفسه بمن يَعرفون المَسِير ليرشدونه إن ضَلّ؟، إن هذا إلا خير تقدّموه لأنفسكم فتجدوه

***

بالمثلِ، كانَ الشيخ الذي جُبِرَ خاطره بكلمةٍ حَسَنة، والجمهور الذي أبقى الضال ابناً إن جاء، الصّديق الذي لم يخسر نفسه حتى عند الخيانة، والنَّبَي الذي غَفَر لأخوته فاكتمل التأويل، جَلَسوا بجوارِ النّبتة حتى تُطَهَّر، لتفرح السّماء بخيرٍ لأنفسهم


(6)
مَثل قوسين يُغلق أحدهما الآخر


في البدءِ تكون الحكاية، الحياة التي تُعاش، المَحَبَّة المُطلقة غير المشروطة، مِثالية البدايات التي لا يبدو وراءها نهاية، ثم شدّة التجارب التي تَصهر كل شيء لتُظْهِر حقيقته

والحكاية حين تَكْتَمِل تُصبح مَثَلاً، ما بقى فينا من الدَّهر، وما مَر بنا من تجربة، نَكبر بها ونَنْضُج، وإن لم تُدَنَّس أرواحنا فإننا سَنَصير أشخاصاً أفضل

لذلك فالحكايةِ والمَثَل هُم قَوسين، تبدأ الحياة أحدهم وتُغلقه بالآخر، ورغم الخسائر التي تذهب في المسافة بين القوسين، ولكن يَنبغي في النهاية أن نَفرح ونُسَر، كالرجل الذي كان أعمى يوماً ثم رأى، طالما بَقى لَنا وفينا كل ما خُفنا يوماً من فقدانه

الآن يُغْلَق القوس ويَكْتَمِل المَثَل.

03 سبتمبر 2012

19 أغسطس 2012

عن انتصارِ الروح وجبران الخاطِر



لأجلِ رَوح هبة وخاطِرها
.
.
.

الله، حينَ خَلَقَ الكَون، أوجَدَ كُل الحياة في النّهار، هو الحَركة والعَمل، جِيئَة الناس وذهابهم، هو النُّور الذي يَنبع من السماء، وفي المُقابل.. فإن اللّيلِ هُوَ الظُّلمة، السّكون والنَّوم، هو الوُحْشَة.. لا لمَن سَهِروه ولكن لِلّيلِ نَفسه الذي يَخلو فيه العالم من الحياة.

لذلك، فإن الله حينَ شَرَّع العبادات.. جَعَلَ ناشِئة اللّيل خَير أوقات العِبادة، أمر النّاس بقيامه، وتَرتيل القرآن فيه، وخَصَّه بخيرِ الطَّاعات. كان الله يَجبر بخاطِر الليل ويَنتصر لروحه.

وبالمثلِ، فإن الله قَسَّم الحياة على أماكِنها، أوجد المُدن والرّيف لمعيشة الإنسان، خلقَ الغابات التي يرتادها رغبةً في حيواناتٍ تَسكنها، البحر كان لأسماكه، والنَّهر ليشرب منه، كل الأماكن مُرادة، إلا الصحاري.. يَمُر فوقها عابراً ويرغب في الانتهاء منها كي يَصِل بين أرضين للحياة.

لذلك، فإن الله قد اختص الصحاري بالنَّفطِ أكثر من غيرها، ليرتادها الإنسان ويَسكنها. والله بذلك كان يَجبر بخاطِر الصحراء ويَنتصر لروحها.

بينَ الناس، جَعَل الله جُبران الخاطِر وانتصار الرَّوح بينهم وبين بَعضهم، أنتَ شَخص جَيد.. ليسَ لأجلِ نَفسك ولكن لأجلِ الناس، أنتَ لو سَقَطت ستكسر جانباً من خاطِرهم الذي رَجَاك، ورَوحهم التي عُلّقت بك، أنتَ جبران الله للخاطِر وانتصاره للروحِ.

وبالمثلِ أيضاً، فإن الله قد جَعل فيكَ الحَسَن، وحينَ اشتدَّت الظُّلمة أظهره وأوضحه، ليؤانس تِلك البنت التي دَعَت بأن يعود الغائِب إن كان فيه خَيراً من الله. والله أعاده. بصدقٍ في كُل ما جَرى، ليجبر بخاطِرها ويَنْتصر لروحها في نَفسِك.

وما يتبقى من انتصارِ رَوحك هو أن تَدَع ما يُريبك إلى ما لا يُريبك، تترُك القبيح في مُقابل الحَسَن، وتَذْهَب بالخيرِ عن الشّر، أن تَنْظُر لتسعةٍ وتسعين لازلت تَمْلكهم، ولا تَذهب وراء ضال لن تَجده، وأن تَحْمَد، تَحْمَد كثيراً، لأننا –رغم كل شيء- يَنْبغي أن نَفرح ونَسُر، لكونِ أخاكَ هذا كان ميتاً فعاش، وكان ضالاً فُوُجِد. ولأنّكَ كِدتَ تَموت فَعِشت، وكِدت تُضَل فوُجِدت. ولأنّ الله ظَل دوماً بالجوارِ، يخبر الخواطِر المَكْسورة ويَنتصر للأرواحِ النّقية.