الشّوارع
تبدو مُوْحِشَة مُجدداً ، والمدينة لم تَزَل مُعْتِمَة ، الغيوم تَكْسُو سَماء
القاهرة ، وكأنّ الشمس قد قرَّرت الاحتجابِ حُزناً ، وجوه المارَة ، القليلين في
السادسة صباحاً ، حتى لو كان ذلك بميدانِ رمسيس ، تَمُر أمامُه مُكْفَهِرَّة ،
بخطى ثقيلة ، لا أَحَد ينظُر في عَيْنَي الآخر ، لا أحد يتحدَّث .
كان الجميع
وكأنَّهم قد استيقظوا من النَّوم لتوّهم ، على كابوسٍ واحد مُشترك ، يُحاولون
الهَرب منه ، ولو بالتواطؤ صَمتاً حتَّى يَنسوا ، وما مِن مَهرَبٍ كان أو نسيان .
ظَنَّ ،
وهُوَ يَسِير بين شوارع وَسَط البلد ، التي صاحبها لخمسين عاماً ، من رمسيس حتى
ميدان التّحرير ، مروراً بعمادِ الدّين والألفي وطَلْعَت حَرب ، أن تِلكَ المَدينة
لن يُفارقها الحُزن بعد ذلك أبداً ، وكأنَّه في مَشهد النهاية ، بأولِ أفلامه ،
ولا يَتبقى الكثير حتى تُحال الشَّاشة إلى سوادٍ كامِل .
في
السَّابعةِ صباحاً ، كان قد وَصَل إلى بَيته ، وكانت الشَّمس لَم تَزل مُحتجبة ،
وِسَام كانت نائمة ، والتلفزيون كان مُشَغَّلاً دونَ صوت ، جَلَس على الكُرسي
بجوار السّرير ، نَظَرَ إلى الشَّاشَة ، الكلام الأبيض المَكتوب على خلفية سوداء ،
ظَلَّ ثوانٍ حتى أدرك ، كان يَعلم أنه لو قام برفع الصَّوت سَيَسمع أحمد زَكِي ،
ولكنَّه رَدَّد بدلاً مِنه "فيه ناس
بتلعب كورة في الشَّارع" ، وحين وصل إلى أنَّ "الناس بتشتم بعض .. تضرب
بعض .. تقتل بعض في الشَّارع" ، كان الجالس على كُرسيه قَد غَفَا .
قبل اثنتى
عشر ساعة من كُلّ هذا ، كانت الأمور هادئة ، رُبما أكثر من العادي ، لأن خان قد
قرّر أن يُمارس هوايته المُفضَّلة الثانية ، بعد الإخراج ، ويُحَضّر الطعام ، له
ولوسام ، ومَزاجه كان رائقاً لذلك .
لديه
نظريَّة قديمة ، عن كَونِ تحضير الطّعام ، أشبة ، تماماً ، بإخراجِ الفيلم ، كيفَ
تَضع جُزء من رَوحك في الأمرِ كُل مرّة ؟ ، تُحافظ على أن يَحدث كل شيء في اللحظة
المُناسبة ، أن تَقْطَع المشهد هُنا وليس بعد ثانيتين ، في مُقابل أن تُضيفُ بقيّة
الخضروات حين يَصِلُ البَصَل إلى اللَّونِ المَطلوب ، مَتى يُمكن أن تَدْخُل
الموسيقى ، وكم من البُهارات يجب أن تضعها ، أي زاوية تختار لِلَقطة الفينالة التي
تُنهي كُل شيء ، واللحظة التي يُمكن فيها إطفاء النَّار بعد أن طُهِيَ الطّعام
لدرجةٍ مِثاليّة ، كُلها أشياء تَخْضَع للرَّوح والذَّائِقة ، سواء سُمّيَ "الإيقاع"
في السيّنما ، أو "النَّفَس" في الطَّعام ، الآن صار كُل شيء جاهزاً .
في كُلّ
فيلم من أفلامه كان هُناك مشهداً ، على الأقل ، حولَ مائدة طعام ، يحيى الفخراني
قرَّر البقاء في الرّيف لأن نَفَس فريد شوقي في الطَّبخ كان عظيماً ، لم تجد سعاد
حُسني ما هو أكثر قسوة من أن تَقْتُل نفسها مع حسين فهمي وهم جالسين على العَشَاء
، اللَّحظة التي أدركت فيها ميرفت أمين أن أحمد زكي قد تغيَّر كانت حين انفعل
عليها أثناء الأكل .
لذلك فلا
يُمكن أن تصنع طعاماً سيئاً ، أو فيلماً ، إذا نَفَّذته مُحِبَّاً ، يُقَطَّع
الفِلفل ، الطَّماطِم ، يَستخدم "الموس" للحصول على شرائح رَفيعة من
الثَّومِ ، كَم كبير من عَصِير اللّيمون كَي تُتَبّل فيه الفراخ ، يترك المَكرونة
كَيّ تُسْلَق ، يتذكَّر حين أحضر منّة وهند إلى بيته ، ليطبخوا جميعاً ، قبل
الذهاب إلى وسط البلد ، فشعرتا بالفعل أنَّهن صديقتين قديمتين ، لأن صُنع الطّعام
يَخلق أُلفة تلقائية ، يَبتسم حين يُفكَّر أنه طَباخ ماهِر ، تماماً كموهبته كمُخرج ، ستكون أكلة رائعة ، فـ متى يصنع
فيلماً رائعاً من جديد ؟!
تَمُرّ
الفكرة حادّة كالنَّصل ، وكأنَّه قد لَسَع يديه فجأة ، متّى ؟؟ ، لا يعرف ، يُلقي
بنظره تلقائياً على الجوائز ، وشهادات التقدير التي قرر منذ فترة طويلة أن يصنع
لها براويز ، ولم يفعل لأن خاطر قال له أنه يجب أن يُحقق المزيد من الأفلام قبل أن
يبدأ في أمرِ البراويز .
كان ذلك
وقت تكريمه في المهرجان القومي للسينما قبل ثلاث أعوام ، "محمد خان .. ذاكرة
سينمائية تتحدّى النسيان" ، يُفكَّر في أنه كان عنواناً مثالياً لكتابٍ عنه ،
فقد وَضَع كُل التفاصيل التي مرَّت عليه في حياته بداخل أفلامه ، حتى لا ينساها
حين يَكْبر ويَشِيخ .
كان
مُمتناً ، وقتها ، لأجواءِ الاحتفال ، الأصدقاء القدامى ، التلاميذ الذين صاروا
زملاء ، الجمهور ، مَحَبّة الغرباء قبل الأقرباء ، حتى الأسئلة السَّخيفة
المُعتادة لم يغضب منها ، "إيه رأيك في المهرجان السنة دي؟" ، "تحب
تقول إيه عن اختيارك بين المُكرّمين؟" ، "بتعتقد إن الدولة بتقدر
مُبدعيها الأحياء؟" ، "إيه إحساسك بالتكريم؟" ، ما هو إحساسه
بالتكريم ؟ ، "لا أعلم ، أنا سعيد ، سعيد لأني حَيُّ أُرزق ، لأنني لازلتُ
قادراً على إخراج المزيد من الأفلام" ، يَصمت قليلاً ثُم يُكمل "بالنسبة
لي التكريم ليس لي ، هو لأفلامي الماضية ، التي صارت كائنات مُستقلة عني ،
التّكريم الذي يخصني هو الذي يأتي عن فيلمٍ جديد ، لازال مُلتصقاً بي" ، "طيّب
امتى هنشوف فيلمك الجديد ؟"
يَرِنّ
السؤال بدويٍّ مُزعج الآن ، "امتى ؟!!" ، أيُّ فيلم هو المقصود أصلاً ؟
، خمس سنوات ، خمس مشاريع ، في كُلّ مَرة يَضغ جزء من روحه ، رُبما روحه كاملةً في
الأمر ، "ستانلي" "نسمة" "الأستاذ إحسان" "المسطول"
"فتاة المصنع" ، تتزاحم الأحداث والشخصيات داخل رأسه الآن ، أُرهق من
دوران الأمر بنفسِ الشكل كل مرة: تِطَلَّع نَفسِك على ورق ، مشاكل مع الرقابة ،
شِحاتة التمويل ، تِدَوَّر على من سَيُصَدُّق ويؤمن بما تُريد حَكْيه ، تِلاقي
نفسك مَلْطَشة لمن أحب ومن لم يُحب ، ثم في النهاية: يُوضع كل شيء في دُرجِ
المَكتب ، وخبر جانبي بالصُّحف "تأجيل الفيلم الجديد للمخرج محمد خان بسبب
مشاكل إنتاجية" ، ليست مشاكل إنتاجية ، ولكن فساد احتل كُلّ شيء ، حتى
السينما ، يسأله صَحَفي منذ عدّة أشهر "إزّاي مُخرج بقيمة محمّد خان بقاله
خمس سنين معملش أفلام ؟" ، يُجيب "انتَ بتسألني أنا ؟!" .
ورغم ذلك
فمازال يُفكَّر ، ويتحمَّس لكلّ فيلم كأنه أول فيلم ، ويشعر أنه سيموت لو لم
يَفعله الآن ، ويؤمن أنه سيموت بالفعل حين يتوقف عن الشعور بذلك ، المُخرج ، أيّ
مُخرج ، يجب أن يحمل دائماً شيئاً يُريد حَكْيه ، موقف ، نُكتة ، تفصيلة ، فكرة
يعبَّر عنها ، أو إحساس يوصَّله .
فِي تِلك
اللحظة: كاد الخُضار أن يَسْتَوي ، واستعد خان لأن يُضِيف الصَّلْصَة ، وعَقله
مازال مشغولاً بشأنِ فيلمه القادم ، فارس كان يَلْهث في الثُّلث الأخير من فيلم "الحريف"
الذي تعرضه إحدى قنوات التلفزيون ، وفي قناة أخرى ، كان المصري يُحرز هَدَفُه
الأول في الأهلي .
يُضيف
الصَّلْصَة ، وتَسْتَمِر الأفكار في مُداعبته ، غالباً ما حَرَّكه "إحساس
يُريد إيصاله" أكثر من أي شيء ، أمرٌ عابِر ، إعلان في الجرنان عن اختفاء
مُوظَّف خَرج من بيته ولم يَعُد ، امرأة تقوم كل ليلة بلعب البوكَر في شَقة جارتها
، عامِل بسيط ذو شُهرة فائقة في الكورة الشَّراب بداخِل حَيُّه ، يتحوّل الأمر
لأشخاص ، ثُم تفاصيل ، ثُم فيلم ، لا يعرف كيف يبدأ كُل هذا ، ولكنه ينتهي في قاعة
عرض يُشاهد بها عمله لأول مرَّة ، يَفْخَر بأنه لَم يُقدّم أي قصة لم يُحبّها أو
يضع فيها جزءً منه ، لذلك فهو يعتقد أنه لم يُقدّم أي فيلم سيء ، ولكن فَخره بذلك
لا يكون صافياً ، يُحاول الهرب ، ولكن دائماً ما يتذكر "السادات" ،
دائماً ما يتذكره الجميع .
في تِلك
اللَّحظة ، كان على خان أن يُقَلّب الصَّلصة مع الخُضار ، وأن يُهَدّئ النار كَي
يَسْمح لهم بطهوٍ جَيّد ، ولكن انفعاله بالدفاعِ عن نفسه ، للمرة الألف خلال عشر
سنوات ، جعله يغفل ذلك ، في نفسِ الوقت .. كان المصري قد جاء بهدفٍ ثانٍ ، ونزلت
بعض جماهيره إلى أرض المَلعب كي تحتفل مع لاعبيها أثناء المباراة دون أن يمنعهم
أحد ، وكريم عادل ، أحد قادة ألتراس الأهلي ، كان يتمنى ، للمرّة الأولى في حياته
، أن ينتهي الأمر بانهزامِ فريقه ، كي يُحافظ على حياة أفراد المَجموعة ، إزاء
غَضب الجماهير على الناحيةِ الأخرى ، والأمن الذي بدا غائباً ، وفارس كان قد قرَّر
تَرك الكُرة الشراب والشُّغل مع شعبان في التَّهريب ، يُخبر ابن عَمُّه أن "كُلّنا
غلابة يا مُحْسِن" .
"السادات"
، يَنطقها بغضب مكتوم ، كان فيلماً جيّداً ، كان عملاً جديداً في السينما ، 12
مليون جنية إيرادات في عصر اللمبي ؟ ، تكريمات مُتتالية ، من رئاسة الجمهورية ؟ لا
بل من الدولة ، "لم أقم بإظهار جوانبه السيئة لأن الأمر كله بمثابة صورة
ذاتية عن نفسه ، مُقتبس عن كتابه ، كما أن السيناريو كاملاً كتبه أحمد بهجت
ويُسْأل هو عنه" ، يتنفس بعمق وكأنه قد فرغ لتوّة من لهاثٍ ، "ومنذُ
مَتى لا تُشارك في السيناريو ؟ ، أليسَ هذا هو الفيلم الوحيد الذي لم تَكْتُب فيه
أو تَصنع له الدّيكوباج ؟" ، يَشُم رائحة الخُضار الذي حُرِقَ قَعره على
النار ، يتوتّر ويُقَلّب في غضب ، يُحاول أن يُقنع نفسه بأن ما من شيءٍ سيء قد حدث
، يُهدّئ النَّار ، "نعم لم أكتب في السيناريو والدّيكوباج ، نعم لم أرضَ عنه
بشكل كامل ، وربما تراه فيلماً سيئاً ، ولكن أتذكر ما هو الأكثر سوءً ؟ الجلوس في
المنزل ست سنوات دونَ عمل ، أن ترى السينما وهي تتحرَّك للأمام وتبدو كأنها قد
نَسَتْك ، أن تَقول كلمة "أكشن" وأنتَ وحدك لأنك تفتقد شعور التواجد
وراء الكاميرا ، أن يَمُوتَ عاطف ، ويَتَّجه خيري للتلفزيون ، ويَظَلّ داوود
يُجاهد بين كل فيلم وآخر ، وكأن أحداً لم يَعُد يُريد جيلاً كاملاً كان الأهم
لسينما تَحْتَضِر" ، يَتَصَبَّب عرقاً وهو يُقَلّب بآليَّة ، يشعر بثُقلٍ
شديد ، "نفس الأمر الذي يتكرَّر الآن ، لو عُرِضَ عليكَ السَّادات مرّة أخرى
في تِلك اللحظة ، هل سترفضه ؟!" ، لا يُجيب خان على نَفْسِه .
ظلَّ لفترة
لم يُجب ، كانت كافية لأن يُحرز المَصري هَدَفه الثالث ، عَبدنيو ، قائد آخر
للألتراس ، نَزِلَ من فوق السَّماعة التي يقودُ من خلالها المَجموعة ، وآثر
تجميعهم سوياً في مُنتصف المُدَرَّج ، قلِقاً من الأجواء الغريبة التي كانت في
الإستاد ، فارس كان يلعب مباراته الأخيرة في الفيلم الذي ستُعيد القناة عرضه صباح
اليوم التالي ، يوسَف محمَّد ، أحد أعضاء مجموعة الألتراس ، من المطريَّة ، أدرك
أن المُبارة قد انتهت ، ذَهَبَ إلى الحَمام بعد أن تحامل على نفسه منذ بداية
الشَّوط ، وخان كان غاضباً ، لم يَعُد يستمتع بأكلته ، أدرك يقيناً أنها ستكون
سيئة ، صَفَّر الحَكم ، نَزَلَ الآلاف أرض الملعب ، باتجاه مُدرَّج النادي الأهلي
، تَرَك خان الأواني على حالها ، وغادر المَطبخ ، صَارَ المُدَرَّج مُحاصراً بشكلٍ
كامل ، وبدأت المجموعة تَتَّجه ، لاهِثَة ، نحو مَمَر الخروج ، هَرباً مما بدا أنه
الموت ، فارس كان يَلْهَث أيضاً ، البوابات كانت مُغلقة ، شَعرَ خان وكأنه يَختنق
بأفكاره ، الشهيدُ الأول ثُم الثاني ، يَسأل بَكر "مش هتلعب تاني يابا صحيح"
، هذا هو الشّهيد العاشر ، يَظْهر عبر البَثّ المُباشر ، لم يَكُن هواء القاهرة
يَكفي خان كي يَتَنَفَّس ، يَلهث فارس ، يعود يوسف من دورة المِياة ، يُحاول كَسر
الباب المُغلق ، يَنْكَسِرُ عليه ، ويَسْقُط شهيداً جديداً ، يَحْتَضِن فارس ابنه "خلاص
يا بكر .. زَمَن اللّعب رَاح" .
في
السَّاعاتِ التَّالية ، ظَلّ خان يُتابع أعداد الشُّهداء التي تتزايد كُلّ دقيقة ،
يَشعر بالقَهْرِ ، والعَجْز ، وما هُوَ أكثر كثيراً من الحُزن ، صُورة المُشِير
الذي خَرج ليُعلن ، بعد أن قارَب الشُّهداء على الثمانين ، أن هذا يَحْدُث في أي
حتّة في الدنيا ، ملأته بالغَضَب ، وفي الثانية صباحاً عَرِفَ أن أهالي الشُّهداء
سَيَتَّجهون إلى مَحَطَّة مصر ، أملاً في أن يعود أبناءهم على القطار القادم من
بورسعيد ، يَتَّجه إلى هُناك ، وفي المحطَّة يَقِفُ مَذهولاً ، يُحاول أن يُردَّد
مع الهِتافات المُنْطَلِقَة ، "يَسْقُط يَسْقُط حُكم العَسْكَر" ،
ولَكِن صوته يَخْتَنِق ، يَنظر إلى الآباءِ والأمهات ، الأخوة ، الأصدقاء ، وهُم
يمرّرون بينهم أسماء الشُّهداء المُعلنة حتى الآن ، يَقترب ، يبدو تائهاً ، كَكُلّ
الوجوة حَوله ، يربت على كَتِفه شاب يُبدي تماسكاً ظاهرياً ، "إن شاء الله يا
حاج يرجع سَليم أو مُصاب ومتلاقيش اسمه" ، ثُم يُعطيه وَرقة بالأسماء ،
يُمَرّر عينه ، يتوقف عند كل اسم ، قبل أن ينقل عينيه إلى آخر بصعوبة ، لا يستطيع
أن يُكمل عند نصف الورقة ، بعد أن أصابته دُوخة ، لَم يَعُد يَحْتَمِل ، أصوات
البُكاء ، النَّحِيب المَكتوم حوله ، والهِتافات الآتية من على شَريط القطار ،
يجلس على أحد الأرصفة ، يَسْنِد ظَهره على عامود ، تَغْفَو عينيه من الحُزن .
تُوْقِظه
وِسام قُرابة العاشِرة صباحاً ، كي يَترك الكُرسي ويَنام على السّرير ، يَشعر ،
لأول مرة في حياته ، أنَّه بالفعل عَجوزاً في السَّبعين ، ينتقل بصعوبة إلى سريره .
وبين
النّوم واليَقظة ، يَمُر على باله أن الحِلم الوحيد الذي تمناه طوال حياته ، هو أن
يَصْنَع فيلماً فيه الحقيقة كُلها ، عن نفسه ، وعما حَوله ، صادق بنسبةٍ كاملة ،
وعندما قامِت الثَّورة ، تحديداً في جمعة النَّصر ، حِينَ نَزل إلى التَّحرير ،
كانت أكثر لحظة في حياته شَعَر فيها أن حِلمه يُقارب التحقُّق ، كان ذِهنه صافياً
، كَكُل شيء حينها ، ما هو حِلمه الآن ؟ ، لم يَعُد حتى يَعْرِف الإجابة
خلال
البقية الباقية من شهرِ فبراير ، لم يَدْخُل خان إلى مَطْبخه مرة أخرى ، وبقت كُل
أواني الطَّهي على حالِهَا ، لم تعرض أي قناة تلفزيونيّة فيلم "الحرّيف"
، ولم يَجُد هُو التمويل لإنناجِ فيلم جديد ،
اسْتُشْهِدَ يوسف ، وظَهَر كريم وعَبدنيو لأول مرة على التلفزيون يُطالبان
بِحَقّ الشُّهداء ، لم تَعُد الكُرَة تُلْعَب ، وبدا واضحاً ، كما قال فارس ، أنّ
زَمَن اللّعب قَد راح ، حتى أن هِتاف الألتراس الشَّهير الذي كَان "يوم ما
أبطَّل أشجَّع هَكُون مَيّت أكيد" ، قَد صارَ تَرنيمة حَزينة يُرددها الجَميع
بصوتٍ خفيض: "أخويا مَات شَهِيد / مِ الغدر في بورسعيد / ويوم ما أفرَّط في
حَقُّه / هَكُون مَيّت أكيد" .
يَجْلِسُ أمام المياةِ المُنبسطة ، في تِلك
البُقعة الهادئة التي عَرِفها منذُ الصغر ، والتي تفصله ، تماماً ، عن صَخَبِ
إمبابة من وراءِه ، ورغم سنوات عمره التي تجاوزت الأربعين ، فقد ظلَّ يَحْتفظ
برسغٍ ثابِت ، ونفسٌ ازدادت صَبراً مع مرور الزَّمن ، يُلقي بِصنَّارته في الماء
ساعة العصاري ، ويَظَلُ جالساً هُناك حتى غروب الشّمس .
ذلك هُو ما اعتاده يوسف في السنواتِ العَشْر
الأخيرة ، وبدلاً من أن يعود بالسَّمَكِ إلى البيت ، ويَفْشَل في أكله بسبب حجمه
الصغير ، فقد صار يَمْسِك كُل سمَكة يصطادها ، ويَضَعها في باطِنِ كَفه لنصفِ
دقيقة ، يَستشعر حَرَكتها ، نَبْضها ، مَكْمَن الرَّوحِ فيها ، ثُم يُلقيها في
النّيل مِن جديد .
هذا النِّهار ، لن يذهب يوسف إلى النهر ، لن
يَمْنح بضع سَمَكات صغيرات الحياة من جديد ، سَيَجْلِس في منزله ، يُشَغّل
التلفزيون ، يُقَلّب بين قنوات مُمِلّة ، وحين يَصِل إلى واحدة منهم ، تَعرض فيلم "الكِيت
كات" في مشاهده الأخيرة ، سيُدَنْدِن مع الأغنية ، ثُم يَبتَسم ، قبل أن
يَتَجَهَّم وَجهه ، حُزناً ، وهو يقول "الله يرْحَمَك يا إبراهيم" .
بعد ساعة ، على الناحيةِ الأخرى من النَّهر ،
حَيْثُ يَسْكُن في الزمالك ، كان داوود عبد السيّد قد قال نَفس الجُملة ، وهو
يَتَجَهَّز للذهابِ إلى عَزَاء "إبراهيم أصلان" ، في المنطقةِ التي عاشَ
بها أغلب حياته ، ومَنَحَته هو ما يعتبره الجميع أعظم أفلامه .
إمبابة لا تعرف إبراهيم أصلان:
تَحَرّك من منزله بخُطٍ بطيئة ، تَلِيقُ بكهلٍ
حَكِيم قارب السَّبعين ، ورغم ذلك فقد قَرر أن يَذْهَب إلى شارع السُّوق ، حيث
يُقام العَزَاء ، مَشْياً ، وأن يتجاوز النَّهْر الواصل بين ضفتين ، وعالمين ،
مُختلفين ، على قدميه .
تَذكر المرَّة الأولى التي أخذه فيها أصلان إلى
هُناك ، لم يَكُن المُدهش هو معرفته بكل الحواري والمَمَرَّات والشوارع المُتداخلة
، والتي تجعل المنطقة أشبة بالمتاهة ، ولكن المُدهش فعلاً هو ما بدا بمعرفته بكُلّ
الساكنين فيها ، وامتلاكه ولو حِكاية ، عن كُلّ واحد منهم .
تذكَّر داوود أيضاً ، نصيحة أصدقاء أصلان
الدائمة له ، بأن "يَقِب" على وش الدنيا ، ويَترك الكيت كات وحواريها ،
كي يَنتقل إلى الناحية الأخرى من النهر ، حيث الزمالك أو وَسط البلد ، كان يستمع
لهم في هدوء ، ثُمّ يَحكي حكاية ، عن البيتِ الذي يَسْكُن فيه: حيثُ في البدءِ
كانت الأرض خربة وخاوية ، ثُم جاءَ من أحضر المُؤَن ، الخشب والطوب والجير ،
لِيَبني الكِيت كات ، وكان جداً أكبر ، يأخُذ منها كُل يوم ، ليبني جُزءً من البيت
، وهكذا: كانت الكيت كات تَكبر ، وكان البيت يَكبر معها ، ثم يبتسم أصلان ويقول: الآن
البيت هو الذي يَكبر ، وأنا أريد أن أكبر معه .
لذلك ، فقد تصوَّر داوود ، أن الناس ، هُناك ،
في إمبابة والكيت كات والورَّاق ، في ميت عُقبة وأرض اللوا وبولاق ، على المقاهي
والأرصفة والأكشاك الصغيرة ، في البيوت والحواري والشوارع المُتفرّعة ، في
المَكتبات والوِرَش والملاعب الترابيَّة ، تَصَوَّرهم ، وقد راح كُل منهم يشد على
يد الآخر ، مُعَزّياً ، في رحيلِ الرَّجل الذي ، لفرطِ المَقامِ ، على الأقل ، صار
على صِلة قُربى بكل واحد منهم ، والذي ، في الآخر ، عرَّف العالم بأنقى ما فيهم ،
وأفضل ما فيهم ، وجعلهم جُزءً من ضمير الدنيا .
تصوَّر ، سُبحان الله ، أنه سيجد طابوراً
طويلاً ، أمام مكتب هيئة البريد في الكيت كات ، يقف أمامه العشرات ، وربّما المئات
، يَحْمِلُون خطابات مُرسلة ، ومُعَنْوَنة إلى السماء ، لـ "الأستاذ ربنا
العزيز الكريم" ، تَرجوه الرَّحمة بعَبده الغلبان ، ساكِن إمبابة ، الذي
تَرَك خِلوته للتَوّ ، وصَعَد .
ولَكِن شيئاً من هذا لَم يَحْدُث ، كانت الحياة
، بعد أن تجاوز الكوبري ، إلى جانب النهر الآخر ، تَسِير في صَخَبٍ عادي ،
يَافِطات الإنتخابات تَمْلأ الطُّرُق ، عَرَبة نِصف نقل ، تَحمل مذياعاً عَالِي
الصّوت ، يَشْكُر الجالِس بجانب قائدها ، أهالي إمبابة الكرام ، الذين صَوَّتوا
لحزبِ النُّور ، وحِينَ سأل داوود ، لَمْ يَكُن أحد يَعرف شيئاً عن أصلان ، بَدَت
كُل الشوارع خاوية ، حينَ اكْتشف ، مُندهشاً ، أن النّاس الذين ظَلّ يَكْتِب عنهم
، ويعرفهم ، طوال أربعة عقود ، أو يزيد ، قد مَات بينهم دُونَ أن يعرفوه .
شَعَرَ بثُقلٍ في خِطواته ، حاول التّخفيف عن
نفسه ، بأنه يَعْلم ، ولا رَيْب ، منذ سنوات ، أن ما من أحدٍ في إمبابة يعرف
إبراهيم أصلان ، تذكَّر كلمات شريف المرجوشي ، وابتسم حينَ فكَّر في أن أي من
أبطال أصلان ، لم يُصَلّ ولو رَكْعة واحدة في كتابته ، لَم يَصم ولو يوماً في كُل
الأشهر الفَضِيلة ، كان يعرف بالتأكيد ، وإن بَقَت الجُملة تَرِن في أذنه بَصدى
مُزعج: ما من أحد في إمبابة يعرف إبراهيم أصلان ، هل من أحدٍ سَيَعرفه فيها حين
يَمُوت ؟
سارقو الفرح
في الرُّبع ساعة التي تَلَت دخول داوود إلى
صِوانِ العَزَاء ، وجُلوسه في رُكنٍ مُنْزَوِي ، كان يُفَكَّر في احتمالية إخراج
فيلم آخر قبل أن يُفارق الحياة ، لقد صار في السابعةِ والسّتين من عمره ، ثمانية
أفلام في رُبعِ قَرن ، والأمر صار أصعب من ذي قَبل .
لماذا لم يُخرج المزيد من الأفلام خلال
السنواتِ الفائتة ؟ ، كان قد قرر التَوَقّف عن لومِ نفسه منذ فترة طويلة ، في
البدءِ كان يُبرر: ظروف الإنتاج ، مشاكل المُمثلين ، طبيعته المُتَمَهّلة ، وطبيعة
أعماله التي تحتاج هذا التمهُّل ، كافة الصعوبات التي واجهها مِراراً ، ولكنه ،
منذ عامين ربما ، لم يَعُد يَجْلِد ذاته ، صَار يُفكر دائماً أن مَبَقاش في العُمر
ما يستاهل التُّوبة ، ولا في النَّفسِ ما يَقوي على تَحَمُّل النَّدَم ، وأنه
سَيَنْجز فيلماً حينما تُتاح له الفُرصة لذلك ، ولَكِن الآن .. يُلِحّ الأمر
كهاجِس كابوسي ، هل سَيُتاح له ذلك ؟
تَستمر الأفكار في التّدفق ، كخيوطِ عَنْكَبُوت
تَلْتَف حوله ، عَمّا يُمكن أن يتغيَّر بعد الثورة ، يَتَذَكَّر نزوله إلى الشارع
في الثمانية عشر يوماً الأولى ، يتذكَّر أنه فضَّل أن يشعر بالفرحِ الحاصل أكثر من
أن يُصوره ، ورَوَّض نفسه بكونِ "الجميع يُصَوَّرون ، أما أنا فأرغب في أن
أكون جُزءً من الحِراك" ، الآمال العَظيمة ، نَشْوة الشعور ، المُستقبل الذي
كان يُفَكَّر فيه بشغف ، كَكَهلٌ عَجُوز نَعَم ، ولكن لا يَخشى الحُلم ، "سأُقدّم
ثمانية أفلام أخرى خلال العشر سنوات المُقبلة" .
ثُمّ ، ماذا تبقى بعد عام ؟ ، الضَّباب ، تِلكَ
هي طبيعة الثورات ، ولَكِن ألم تَكُن ثَورتنا مُختلفة ؟ ، هُوَ ليسَ مُحبطاً ،
ولكنه نَزَل إلى أرضِ الواقع ، بعد أن حَرَّرت الثورة الجميع إلى فَضاءِ الأحلام ،
يتذكر ما قاله ، بصوتٍ حَكِيم ، أثناء جلوسه مع بعض الشباب على قهوة الحميدية في
وسط البلد قبل ثلاث أيام: "نحنُ وسط تفاعل ، وبالتالي لا توجد نتائج نهائية ،
هُناك حركة مُستمرة ، هُناك جديد يحصل كل يوم ، هناك أمور مُختلفة تتبلور ، أو
أنها لازالت في مرحلة البلورة ، ولكن .. أخشى أن نصل إلى الصورة المعروفة عن
الثوراتِ ، التي يُقال أنها تنتهي بحاكمٍ ديكتاتوري ، أو بحربٍ أهلية ، أو بتحالف
إسلامي عَسكري كما يبدو في الأفق ، وهذا ما أخاف أن يحصل ، هذا أمر مُخيف"
يَسْتَاءُ داوود ، كيفَ أجبروه ، وأجبروا
الجميع ، أن يتركوا أحلامهم وينزلوا إلى واقع قذر على هذا النحو ؟ ، إنُّهم
يحاولون سَرِقة الخيال .. كما سَرقوا كُل شيء آخر
تُخرجه اليَد الممدودة لمُصافحته من كُل تِلك
الأفكار ، كان يُوسف ، "يُوسف النجّار" كما عرّف نفسه ، ورَحَّبَ به
وكأنَّهُ يعرفه مُنذ زَمَن ، ودَعاه لأن يَجلس بينهم ، هُم ، أهالي إمبابة ، شِلّة
أصلان القديمة ، وقَدَّمُه لَهُم ، "الأستاذ داوود عبد السيّد ، اللي عَمَل
فيلم الكيت كات" .
في النّصفِ ساعة التّالية ، حَاول داوود أن
يَلْعب لعبة إيجاد التشابهات ، أو الاختلافات ، بين هؤلاء الجالسين أمامه ، وبين
صُور أخرى مِنهم قد ظَهرت في فيلمه ، وأن يَتَتَبَّع التغيُّرات التي جَرت بهم بعد
كُل هذا الوقت ، وكان من شأنِ تواجده أن جْعَلهم يَنْسَوْن العَزاء ، ويَبدؤون في
تَتَبع أخبار بَعضهم التي تَعُود لسنوات ، ويَحْكَوْن ، عن المَعلم صُبحي ،
والمعلم عطيّة ، والعَم عُمران ، والأمير عوض الله ، والأسطى قدري الإنجليزي ،
والجَمِيع .
ضَحِكوا ، ثم أتبعوا بأن "سُبحان الله"
، حين جاءت سيرة الهرم بائِع الحَشيش ، ورَووا أن زوجته ، الشابة الجميلة ، حَدث
أن وضعت رأسها على كتفه ذات ليلة ، ارتاحت قليلاً ، ثُم ماتت ، فأصابه هَلَع عَظيم
، ولم يَترك بيته لشهور ، ثُم أطلق لحيته ، وأمسك بعصا كبيرة ، وصار يُغادر البيت
قبل صلاة الفجر ، يَجُوب حواري إمبابة دون أن يفوته بيتاً ، يَدُق الأرض بعصاه ،
ويَقول "الصلاة خيرٌ من النوم" ، وحينَ سَكتوا ، أكمل يوسف النجار
الجُزء الأهم من الحكاية: ما أن تبدأ الصلاة ، حتى يعود الهرم إلى بيته ، لا
يُصَلّي ، ولا يَدْخل الجامع أبداً .
تَخَيّل داوود الفنان نجاح المُوجي ، الله
يرحمه ، وهُو يجوب الحواري بعمامةٍ كُبري ، يَدعو الناس للصلاة ، واعتقد أنه كان
ليُصبح مشهداً مُؤثراً ، نَظر إلى وجوه مَن حَوله ، وسَأَلَ عن الشّيخ حُسني ،
فأطرقوا النّظر طويلاً إلى بعضهم البعض .
الشيخ حُسني الذي كان أعمى ثُم أبصر
يَقُولون أن الشيخ حُسني ، صَارَ يُسَمّى الشيخ
حُسني ، بدلاً من اسمه الحقيقي الذي رفض أصلان ذكره ، ولم يَعُد يتذكره أحد مع
مرور الوقت ، يَقُولون أن الأحوال تدهورت به كثيراً ، وأن البيت ، الذي بناه أبوه
وتمنّى هو أن يموت فيه ، قَد بيع ، وأنه قد انتقل للعَيْشِ في بولاق أبو العلا ،
تاركاً الحشيش الذي لَم يَعُد قادراً على شِراءِه ، يَقُولون أن ليالٍ طويلة كانت
تَمُرّ به وحيداً ، بعيداً عن الشِلّة التي رافقته طوال عُمره ، وأن الجيران كانوا
يَسْمُعون صوته مُتحدثاً في أنصاصِ اللّيالِ ، ويضربون ، عَجَباً ، كَفَّاً بِكَفّ
، لأن ما من أحدٍ مَعَه
ويَقُولُون ، بجمُلٍ مُتَقَطَّعة ، تنتهي
دائماً بِهَمْمَةِ أحد المُستمعين ، أن "لا حول ولا قُوّة إلا بالله" ،
أن الشِّيخ حُسني عَجّز ، ومَرَضَ مرضاً شديداً ، وابنه ، بعد أن صارَ رَجُلاً ،
حَمَله ، كَمَا حَمَل هو يوماً العَمّ مِجاهد ، كَي يأخذه إلى المُستشفى ، نَام
الشيخ على كَنبة التَّاكسِي الورَّانِيّة ، ولم يَتَمنَّ سوى أن يَمُر في طريقه
بشارع السوق الطَّوِيل ، الذي عاشَ به عُمره كُله ، وأن يَنْظر مرّة أخيرة إلى
مَكانِ البيت ، وحين وَصَل إلى أول الشّارع ، خَرَج بنصف جَسَده من التّاكسي ، كَي
يَلْمَحه أحد الأصدقاء القُدَامى ، حتّى أطلّ عليه عادل الشرباتي ، وصاح لَه "إيه
يا مولانا" ، فأطْبَق الشَّيخ على يَدَه ، وقال: "يا عادل ، أنا عيَّان
ورايح المُستشفى ، ابقى قول للناس بقى" ، والشّيخ حُسني مات ، قبل أن يَلْحَق
به أيّ من الناس .
والحقيقة ، أن داوود قد شعر بحُزنٍ شديد ، درجة
أن عينيه قد اغرورقت بالدّمُوع ، وظَنّ النّاظر إليه من الحاضرين أنَّه يَبْكِي
أصلان ، ولكنه في الحقيقة كان يبكي ، لشدّة القُربِ ، صديقاً قديماً ، لَمْ يره
في تِلكَ الليلة ، حَلِمَ داوود ، خيرُ
اللَّهُمّ اجعله خيراً ، أنه قد حَلّ في جَسَدِ الشِّيخ حُسْنِي ، وقابل إبراهيم
أصلان ، الذي تَفَل في الأرضِ ، وصَنَع مِن التّفلِ طيناً ، وطَلَى بالطّين
عَيْنَي الأعمى ، ثُمّ قال له "اذهب واغتسل" ، فمَضى الشّيخ ، واغتسل ،
ثُمّ عاد بَصِيراً ، ولمَّا طَلَبَ مِنه غُرباء ، أن يَشهد على أصلان آثماً ، لم
يُجِب ، لأنه كان مُنشغلاً بالنَّظر إلى فتاةٍ تقف على الجانبِ الآخر ، خَلَعت
ملابسها ، ثم نَزَلَت إلى مَجْرى النّهر ، عارية .
وفي صَباحِ اليوم التَّالِي ، بعد أن استيقَظ
داوود ، ناسِياً حِلْمه ، تَلَقّى مُكالمة هاتفية مِن صحفي شاب ، يَطْلب منه أن
يقدّم نعياً في رحيل أصلان ، ورأياً بشأن صعود التيار الدّيني في الانتخابات
البرلمانية ، التي تنتهي مرحلتها الثالثة بعد أيام ، بصفته سينمائي ، قِبطي ، يَقع
، تماماً ، في مُنتصف دائرة المَخاوف حول تعامل الإسلاميين مع الفن ، ومع
الأقليَّات ، استمع له داوود بأُذنٍ ثَقيلة ، وبنصف تركيز ، حَيْثُ النصفِ الآخر ،
كان مُرَكَّزاً على لَوحة الكِتاب المُقدّس ، التي وضعها على حائِط منزله ، مُنذُ
ما يُقارب الرُّبعِ قرن:
العائدون من أمام القصر الجمهوري في ليلة 11 فبراير ، كان هتافهم الوحيد للشُّهداء ، "نام وارتاح .. خَدنا حَقّك مِ السَّفاح" ، "نام واتهنّى .. واستنَّانا على باب الجنّة" ، كان الشعور الأهم وقتها ، أكثر من الفرحة ، أكثر من النصر ، أن دماءِ الشُّهداء الذين سَقطوا لم تذهب هَباءً ، وأن كل من رَاح له شَهيد ، سَيُؤانس ، دوماً ، بلحظةٍ كتلك ، ويُصبر نَفسه بإن "دَمُّه مَرَحْش هَدَر" ، وما مِن صبرٍ كان أو مؤانسة .. في الشُّهداءِ الذين ذهبوا بعد ذلك
قبل يومين ، استيقظت على بُكاء أمّي بالغرفةِ المُجاورة ، وصوت التلفزيون يُذيع هتاف الألتراس الشهير ، في الأغلبِ على صور الشُّهداء ، "يوم ما أبطَّل أشجَّع ، هكون مَيّت أكيد" ، يَبدو من الموجع جداً سماعها على لسانِ من سيصبحوا ، بعد ثلاث ساعات فَقَط ، شُهداء
قبل 19 يوماً ، لم أستطع النّوم طوال ساعات الليل ، صُوَر كابوسيَّة مُستمرة ، لشُهداءٍ يَتم رَمْيَهم من سَطْح الإستاد ، وشُهداء يَتِم طَعْنِهم في مُدرجاتٍ مُظْلِمة ، وشُهداء يُخْنَقُون بكوفيَّاتِهم ، والصورة الأسوأ على الإطلاق .. لشُهداءٍ يَتَكَدَّسُون ، أحياءٌ وأموات ، في مَمَرًّ صغير ، لا يَمْلُك أيًّ مِنهم من أمرِه شَيئاً
قبل ساعتين ، جاءَني في الحُلْمِ ، بين النّومِ واليَقَظة ، عِدة شُهداء ، بملامِحهم التي أعرفها ، وصوتهم ، "يوم ما أبطّل أشجّع ، هَكُون مَيّت أكيد" ، كانوا مازالوا يُشَجّعون ، وكأنّ المُباراة لم تبدأ
المُشكلة ، أن هؤلاء لم يموتوا في محمد محمود ، أو مجلس الوزراء ، أو حتى في ماسبيرو ، الشُّهداء الذين يختاروا الشّهادة ، أقل قسوةً على النّفس من الشُّهداء الذين راحوا غَدراً ، وما تبقى لَنا بعدهم هو الشعور بالقَهْر والعَجْز ، لأننا ، مثلهم ، لَم نَملك من أمرِنا شيئاً
المُشكلة ، أن جُزء من روحنا يَموت في كُل مَرة ، يموت مع كل شهيد ، يموت مع كل تخاذل عن حقه ، وما من شيءٍ صار له معنى أو قيمة ، صور الشهداء على الجدران ، ودَمَهُم على الأسفلت ، وصوتهم في الفيديوهات التي تركوها وراءهم ، ورَوحهم مُعَلّقة بين السماءِ والأرض
أُصَبّر نفسي بأنّ الله مَوجود ، وأنّه يَعلم ويَرى ، وأنّه حَذّرنا مِنَ الكُفرِ بروحِه مهما اشتد الظُّلم ، وأن كُل ما وَرَد مِن سِير الأسبقين ، كان يُعيننا على الاحتمال ، ويؤانسنا حتّى بيأسِ الرُّسل ، الذي يجيء بعده النّصر ، فلا يُرَدّ حينها البأس عن القومِ المُجرمين
وأُفكر ، بعد عام من الثورة ، أن ما صار يُحَرّكني ليس الرغبة في بلدٍ أفضل ، يعيش أهلها حياةً كريمة ، لا يستحقونها ، صار ما يُحركني ، فقط ، أن هُناك شُهداء ، أتمنّى أن أُجْمَعُ بهم ، دون سواهِم ، يوم القيامة ، وأنهم سيسألوننا ، وسيسألنا الله ، عنهم ، وعن دماءهم ، وعن القصاصِ لها ، وإذا توقفنا الآن عن قولِ كلمة الحَق ، فلن نستطيع حينها الإجابة ، فأُعِين نَفسي على التّحَمُّل ، وأُذَكّرها بأن الثورة مُستمرة لأجلهم
تقولُ الحِكاية ، التي عاصَرْتُ جانباً مِنها ، أن يوسف شاهين ، أثناء إحدى ذروات الحراك السياسي في مصر ، مع اعتصام القُضاة من أجل استقلالهم عام 2006 ، قد اقترح ، مُتحَمساً ، أن يحمل المُعتصمون والمُتظاهرون في قادِم المُواجهات عُصياً وشوماً ، من أجلِ مُواجهة قوات الأمن والبلطجية ، والدِّفاع عن أنفسهم في مواجهة الوحشية المُفرطة التي يتم بها فض اعتصام أو تفريق مُظاهرة .
لَمْ يُلقَ اقتراحه وقتها بجديّة ، وفُضّ الاعتصام سريعاً ، وقُبِضَ على عشرات من النُّشطاء الذين شاركوا فيه تضامناً مع المَطالب المشروعه للقُضاة ، فقرر شاهين أن يبدأ في فيلمه الجديد "نهاية نِظام" ، الذي تحوّل بعد ذلك إلى "هي فوضى" ، مُحققاً صورة مُتخيَّلة لفكرته العظيمة في آخر مشهد أخرجه في حياته: آلاف المواطنين يحاصرون القسم ، ويَشْتَبكون مع الشرطة ، ويُسقطون النِظام ، ذات الصورة التي تحقَّقت على أرضِ الواقع يوم 28 يناير ، بعد أن صارت ثورة ، يخرج فيها الملايين إلى الشارع ، وهُم شَعباً يُريد إسقاط النظام .
ولَم يَكُن يوسف مَعهم ، لأنه قد مات ، أو صَعَد ، وفي صورة شاعرية كان يراهم ، وفي ما هُوَ أكثر: كان يَهْتِفُ وراءهم ، ويُمارس الثورة ، فِعل الإرادة والقوة والرفض والاختيار ، الذي دائماً ما عَكَسه في أفلامه ، مُتَمَنّياً أن يراه وَاقعاً .
تَصَوَّرت ، سُبحان الله ، أن محمد أبو سويلم وعبد الهادي ، بهيَّة وفاطمة ويوسف والشيخ أحمد ، إبراهيم المَدبولي ، وتفيدة بنت حسونة ، يحيى شُكري مُراد ، وشكري مُراد ، قد ساروا ، وثاروا ، فوق كوبري قَصر النيل يوم جمعة الغضب ، تصوَّرتهم ، وقد راح كُل مِنهم يَشِد على يد الآخر ، مُعزياً ، في الرَّجل الذي ، لفرطِ الثِقة ، قد جَعلهم يُغَنُّون "الشارع لِنا" ، وتركهم ، قبل أن يرى الشارع وقد صار لهم بالفعل .
(2) هيَ مُصادفة ، حتماً ، ولكن لابُد وأن لها ، ككل شيء آخر ، معنى ، في أن يكون ميلاد يوسف شاهين في الخامِس والعشرين من يناير .
كُنت أكتُب ، قبل عام ، في ظهر 25 يناير 2011 ، أن عين يوسف كانت تَعكس دائماً صورة مُثلى لبلادٍ أحببتها ، تفسح للحلمِ مجالاً كي يتحقق ، وتقفُ مع الثورة إن حدثت ، بل صار الأمر ، لفرطِ الشبة ، أن تتبعه مسيرته ، هُو تتبع لمصر ذاتها ، التي كانت ، في سنينها الأخيرة ، تَكْبُر وتَشِيخ وتَعْتَل ، ومِثلها كان .. يَكْبُر ويَشِيخ ويَعْتَل ، يَنْحَدِر هُو بمسيرةٍ سينمائية ، وتنحدر هيَ بكُل شيء آخر .
ثم كان ما حدث في الخامس والعشرين من يناير ، نَزَلتُ إلى الميدان ، ووجدته مُمتلئاً ، نَوَيْنَا الاعتصام ، فَفَرَّقونا ، ورَحَلنا ، بنيّة العودة إلى تِلكَ الأرض من جديد ، وحَدَث ، فقُمنا بثورة ، وأسقطنا نِظاماً ، ولم أستطع ، طوال الوقت ، مُراوضه أن كُل هذا قد بدأ يومها ، وأن ذكرى الميلاد قد صارت واحدة: الثورة ويوسف .
(3)
لم أكْتُب عنه بالأمس لأنّي كُنت هُناك ، وتمنَّيتُ أن يكون هُو أيضاً كذلك ، وفي لحظةٍ ، تخيَّلت ، لا أنّني أكتب عَنه ، ولكن أكتب له:
تَعلَمُ كُل ما حَدث ، وأنه مَرّ على مصر نهاراً كالثامن والعشرين من يناير ، لن تعود بعده إلى سابِق ما كانت عليه .
أنه كان هُناكَ شعباً ، وخفافيش سوداء ، وأننا انتصرنا ، ما ظنناه ، وقتها ، نصراً بيناً ، ونهاية للأمر ،بسقوطِ الوَحْش ، والوصول للأميرة .
ولكن ، لم تَسر الأمور على هذا النحو ، ووجدنا ، للعَجب ، أن ما فات كان أسهل ما في الأمر ، وأن الثورة لا تتوقف ، لأنه ما مِن نهاية ، كُلما تُسقط وَحْشَاً ، تُواجهك وُحوشاً ، وإذا كُنا قد تعلّمنا شيئاً ، بعد عام كامل ، فهو أن تِلك هي طبيعة الأمور ، وما من حَدٍّ سَيُعْلَن عنده انتصار الثورة ، ولذلك سَتَظُل مُستمرّة ، وسَنستمر معها ، لأن اليأس ، كما قال أمين ، خيانة للشهداء ، ولأننا يَنْبَغي أن نَفْرح ونَسُر ، كوننا قد عَرفنا الثورة وعشنا معها .
لَم يَكُنّ "القصبجي" يَعْلَم أن "رَقّ الحَبيب" هيَ آخر ما سَيُلَحّنه في حياته ، ولكنّه مع ذلك أخرج فيها كُل ما يَعْرفه عن المُوسيقى وعَنْ العِشْق
كان في "أم كُلثوم" شيئاً جاذباً ، يَدْفع الرّجال ، ليس فَقَط لأن يحبُّونها ، ولكن بأن يُفَضّلوا دَوماً البقاء بقُربها ، مهما بدا ذلك قاسِيَاً وصَعْبَا
أحبّ القصبجي أم كلثوم ، وارتضى بأن يتحوّل "الأستاذ" و"الموسيقار" العظيم الذي تَتَلْمَذّ على يَده الجَمِيع ، والذي كان ليُصْبح - ربما - أعظم مُوسيقي مَصْري في القرنِ كاملاً ، إلى عازِف عُود وَرَاء "السّت" .
ولَكِنّ التَّفسِير وَاضِحاً ، ليْسَ فَقَط لأنّها "أم كلثوم" ، ولكن لأننا نَمِيلُ إلى الأَمَلِ دَوْمَا ، لا نُريدُ فٌقدانه ، مهما بدا ما نُريدُه بعيداً ، نُغالط الحَقَائِق ، ونُبادل ما لا نُريد تَصْدِيقه ، لِيَزْدَاد الشّوق بالوَلَعْ .
لهَذَا ، اعْتَقَد "القصبجي" دوماً أن تَضْحيّاته تٌُقرّبه ممّا يُريد ، واستعد بأن يُضَحّي بكُلّ شيء آخر ، بما في ذلك موْهِبتُه الفذَّة ، مُقابل أن يُبقى على "أملِ" أن تُصْبِح "أم كلثوم" حَبِيبته ، مَثَلَهُ كَمَن تَرْك تسعة وتسعون خروفاً في البريّة ، وذَهَبَ لأجلِ الضَّال ، وماتَ دُونَ أن يَجْده .
ولكن ، مع ذلك ، لَمْ يَكُن "القصبجي" لِيَعْش يوماً بغَيْرِ الأمل ، وَبقُربِ الضَّال .
(2)
المؤانسة بالعَتَب
ظَلَّت العلاقة بين "حسن شحاتة" ، أحد رموز نادي الزّمالك على مرّ تاريخه ، وجمهور الفريق ، في أحسنِ حال ، منذُ بدأ اللّعب في النادي في بداية السبعينات ، وحتى يناير 2010 ، كانوا دائماً هم السَّنَد له ، وتحديداً في السّنوات الأخيرة ، بعد أن أصبح المدير الفني للمنتخب الوطني ، تطالُه الكثير من سهام النَّقد ، أكثرها حقاً وبعضها بهتاناً ، ولكن في كُلّ الأحوال ظلَّت جماهير الزّمالك بجانبه ، ظالماً كان أو مظلوماً .
ولذلك فإن تِلْكَ الجماهير ، لم تَقْبل من أحد رموزها ما اعتبرته "خيانة" ، ولا شيء أقل من ذلك ، حين استدعى شحاتة لاعب الفريق "أحمد حسام ميدو" لمعسكر إعداد بطولة كأس أمم 2010 ، وقرر الاستغناء عنه بشكلٍ مُهِين ، كردّ على واقعة الصدام الشهيرة بينهم في مباراة السنغال عام 2006 .
رَحَل "مِيدو" عن النَّادي ، وحَمَّلت جماهير الفريق "شِحَاتة" مسئولية هذا الرحيل ، خَسِرَ الزّمالِك الدّوري ، فَشَلَ "مِيدو" في الاحْتِراف ، خَسِرَ الزّمالِك الدّوري من جديد ، وعادَ "مِيدو" بعد أن لَفَظَتْهُ أوروبا ، بَقَت الكثير من الأشياء على حالها ، عدا شيء واحد قد تغيّر : أصبح شحاتة بالنسبة لجماهير الزمالك ابناً ضالاً لَمْ يَتُبّ .
وانحدر كُل شيء مع "شحاتة" بالتوازي ، ساءت أموره مثلما ساءت أمور ناديه: تأييده المُطْلَق للنظام السابق أثناء ثورة يناير ، اضطراب علاقته بإتحاد الكرة بعد سقوط النّظام ، الأداء الباهت الذي يقدُّمه منتخب مصر في الفترة الأخيرة ، وأخيراً : خروج المنتخب من تفصيات الكأس التي حمل لقبها لثلاث مرّات على التوالي ، والنّتيجة: عَزْل شِحاتة نفسه عن كرسي المدير الفنّي الذي ظلَّ عليه لمدّة سِت سنوات .
وما يَهِمَّني ، هُوَ مَا حَدَثَ بعد كُل هذا ، جرافيتي رُسِمَ لشِحاتة على جُدران النَّادي في "ميت عُقبة" ، يَحْمِل صُورته شاباً ، لَمْ يَفْقَد براءته وحُبُّه غير المشروط لناديه ، وتَحْتَهُ كُتِبَت كَلِمَات حَمَلَت روح الشّعر حتى وإن فقدت إيقاعه :
عَتَب مِثَالي بالنِسْبَة لابنٍ ضال: مَنْطُوق مِن مَوقِف قُوة ، مؤانِس في أكثر أوقات الضَّعف ، يؤكد - في كُلْ شَطْر - على صِفات ذكورية : "أهلك/رجّالتَك/سَنَدك/زادَك" ، ولا يَنْسَى عَتَب المُنَادي - بحَسْمٍ - عقب مناداته "لو كُنت ناسي" فَيُذَكْره : "إحنا ناسَك"
(3)
المؤانسة بالعَجْز
لَم يَكُن المخرج الأمريكي "جون كازافيتس" يَصْنَع أفلاماً ، كان يُحاول في الحقيقة أن يَعِيشُها ، نَجَح حيناً وفشل أحياناً ، وظلَّت أعماله مقرونة قبل أي شيء بـ"التَّجربة"
في فيلمه الأهم "امرأة تحت التأثير" يَسْرد الرَّجُل قصة امرأة تُدْرك جُنُونِها ، تُحاول التّغلُّب عَلَيه لأجل أسرتها ، تَعْرف أن لديها زوج وأبناء ، تَعْلَم أنها خَطَر عليهم ، تُقاوم الجُنُون من أجل البقاء مَعَهُم .
الزَّوج في المُقابل يَعْرِف هُوَ الآخر بجنونِ زوجته ، وهُو يحبها ، يحبُّها كثيراً ، ويُريد الحِفاظ على تِلْكَ الأسرة أكثر من أي شَيء آخر .
الحياة في المقابل ، كَطَرفٍ ثالث بينهم ، لَيْست طيّبة على الدّوام ، لا يعني أبداً أن هذا هو أكثر ما تُريده أن تَصِل إليه بالفعل ، لذلك يزداد جُنون الزّوجة ، وتزداد الضُّغوط على الزّوج كي يُدخلها إلى مَصَحَّة .
هُناك عَجْز شديد هُنا ، المَحَبّة ليست كافية ، والاتّكاء على الكَتِفِ القَرِيب لا يَعْني بالضرورة الشُّعور بالحِمَاية ، إن كان هذا الكَتِفِ هو الآخر عاجزاً .
وفي الخِتام ، لَيسَ هُناك مَهْرَب مِن هذا الجنون ، ولكن هُنَاكَ مُحاولة ، صادقة أكثر من أيّ شيء آخر ، للمؤانسة .. ولو بالعَجْز ، وبالاحتواءِ .. وإن كان بِرَسْغٍ مُرْتَعِش ، وبالدّفء .. حتى لو باحْتِضانٍ لا يَحْمِي تماماً مِنَ السَّقِيع .
(4)
المؤانسة بالعَهْد
يُرْوَى ، ضِمْن أَعْظَم مَا جَاء في السّيرة ، أن الشَّهيد "أنس ابن النّضر" قَد التَفَتَ نَحْو "سَعد بن مُعاذ" ، في مُنْتَصَفِ "غَزْوة أُحُد" ، قائلاً له : "يَا سَعْد ، الجَنّةَ ورَبُّ النّضر ، إنّي لأجدُ ريحها مِن دونِ أحد"
ولَمْ تَكُنّ الجَنّة عن "أنس" ببَعِيدَة ، فَقَد عَاهَد الله على الشّهادة مُنذُ فاته يَوم "بَدر" ، ووَقَفَ بَين يَدِيّ النّبِيّ (عليه الصلاة والسّلام) قائلاً : "لئِن أَشْهَدَنِي الله قِتَال المُشْركِين ، لَيَريَنّ الله مَا أَصْنع"
قِيلَ أنّ النّبي حين تَفَقّد شُهداء أُحد ، وَجَدَ "أنس" وبه بضعة وثمانون جرحاً ، ما بين ضربة بسَيْف ، وطَعْنة برمْح ، ورَمْية بِسَهْم
قِيلَ أنّ المُشركين قَدْ مَثَّلُوا به وغَابَت مَلامِحْه ، فَلَمْ يَعْرفه أحد إلا أُخته "الرَّبيع بنت النّضر" لعلامةٍ في إصبعه
قِيلَ أن سَعْد قَد بَكى بشدّة وهُوَ يقولُ للرّسول: "فما استطعتُ يا رَسول الله ما صَنَع"
(5)
المُؤانَسَة بالمَحَبّة
أُحِبُّ الكِتَابة عَمَّن أُحِبَّهُم ، الأشْخَاص يَتَغَيَّرُون ، مِنْ الحِكْمة تَصْدِيق أنّ الدُّنيا (قد) لا تُبقِي الأشياء على حالها ، مَهْما بَدَت صَلْبَة ، لَسْتُ حَكِيمَاً ، ولَكِنّ الكِتَابة تَحْفَظُ المَشَاعِر .. ولو بالذّكرى .
وللمَحَبَّةِ أنواع ، أَعْظَمَها .. هِيَ تِلكَ غَيْر المُسَبَّبَة .. غَيْر المَشْرُوطَة ، أنا الّذِي أُحِبُّك .. فأنا المَدِينُ لَكَ بِكُلّ شيء ، وهَذَا يَكْفِي
***
تَعْتَبِرُ البنت السَّمْراء البَدِيعة ، "العقل اللي يوْزِن بَلَد ، والقَلب الكبير اللي قد الفيل" ، أن أكثر الأوقات القريبة بيننا هيَ تِلْكَ التي سِرْنَا فيها ضمن أكثر الأماكن قُرباً لها ، أو تِلْكَ التي شَعَرَت فيها بالحِمَاية والأمان فقط لأنّنِي هُنا ، رغم أن كُل شيء آخر كان يُفَضِي إلى غَيْرِ ذَلك .
وبالنّسبةِ لي ، لم تَكُن لَحْظة واحدة ، أو بِضع لَحَظات ، رغم كَثْرتها ، فقط أُفكّر دوماً أنني لم أَكُنْ لأصير هذا الذي أنا عليه في تِلَك اللَّحظة ، وهو أفضل كثيراً مِمّا كُنته قبل عدّة أشهر ، لو لَمْ تَكُن هِيَ هُنا .
والحِكَاية هُنا في التَّفاصيل ، حَيْثُ تَكْمُن رَوح الله ، الَّذِي آلَف القُلوب كَيْفَمَا شاء ، ليُؤانِس عِباده بالمَحَبّة .